وحكم ، وقضاء وفصل ، وكلّ ذلك مقرون بعلم وعمل ، ومتى جهلت العلم أفسدت العمل ، وعند ذلك ترى اختياره أشدّ اختيار ، ورأيه أثقب رأي ؛ وكذلك جواب الطبيب والمهندس ، ومن شئت من أصحاب الصنائع المهيأة بالعلم ، والعلم الموصول بالعمل ؛ و [ ما ] هكذا المنجّم ، فإنّه إذا وجب عنده باقتران كوكبين ، ومناظرة شكلين ، واجتماع نحسين أمر ، فلا سبيل له إلى اتّقائه والهرب منه ، إنّما عجز عن ذلك لأنّه تابع للفلك ، وليس الفلك تابعا له ؛ وإذا كان كونه في العالم [ ضروريّا ] فصورة كونه تابعة لأصل كونه .
332 ه - وقد كان بعض المتحذلقين تعسّف في هذا المعنى قولا ، وذلك أنّه قال : النّفس فوق الفلك ، وقد أرى الشيء بالحساب على نحو ما ، فأعدل عنه بقوّة النفس إلى نحو آخر ، فأكون منتفعا بما علمت ؛ وهذا كلام لا نور عليه ولا حقيقة له ، لأنّه إن عدل من جهة إلى جهة فذلك العدول بأثر ظاهر أو علّة خافية ، وليس له منه أكثر من انقياده من جهة إلى جهة بقائد علويّ ظاهر أو خفيّ ، وإن عسر عليه العدول فقد جاء ما أقول من الاضطرار القائم والواجب اللازم .
332 و - وكان يقول : الأمور كلّها جارية بالقضاء والقدر ، فسألته عن معنى القضاء والقدر ، فأملى عليّ ما أنا حاكيه الآن ، وإن كنت قد أمللت بما أطلت ، وثقّلت بما نقلت :
زعم أنّ المرجع من هذين الاسمين في المعنى على التّحصيل إنّما هو إلى اتّساق الأمور واطّرادها وتتابعها على وجوهها ، فإن تعلّق بعضها بالاختيار فليس الاختيار أنشأه ، ولكن بالاختيار كان منشأه ، وقال : ليس العجب أن بالاختيار كان اتّساقه ، ولكنّ العجب أنّه كان على الاضطرار مساقه .
وقال أيضا : ومن علم أنّ العقل قد قسم فاعلا على الإطلاق ، ومنفعلا على الإطلاق ، ووسيلة تتشبّه بالفاعل فوقه فيفعل ، وتتشبّه بالمنفعل فينفعل ،
البصائر والذخائر — صفحة 103
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص١٠٣