ليس بمطّرد على خالق هذا السّمع والسامع والمسموع ، لأنه لا يتلبّس بما خلق ولا يتمّ بما نقص ، والكلام في هذا أعرف ممّا طال الخوض ، وهذا التخريج والتعريف إنّما هو كلّه ليقوّي منّتك ، وتقف على عين العلم همّتك ، وتطلق من غلّ الجهل رقبتك ، فانظر كيف تكون لنفسك ، فإنّي قد أعذرت وأنذرت ، وقلت ونقلت ، وقوّمت وعدّلت ، وبلغت غاية مثلي في الاجتهاد ، فالحق نهاية مثلك في حسن الارتياد ، ولا تشغل بالك ببعض ما قصّرت ودللت على نقصي به ، فإنّ ذلك يستردفك عن حظّك ، ويسوّي بينك وبين من هو أنقص منك ، ولكن خذ نفسك بحسن هذا الكتاب ودع قبيحة ، ليس عليك تبعته ، والسلام .
فأمّا النائف فهي لغة في ناف على الشيء وأناف إذا أشرف عليه ، ومنه مناف في بني عبد مناف .
وأمّا الطّائف فهو الخيال ، وهو الذي يطوف بالبيت ، بيت اللّه الحرام ، وطاف الخيال يطيف ، هكذا السّماع ، واطّاف يطّاف إذا برز للغائط ، ويقال :
قد يبس طوفه في جوفه ، ويقال للطائف الذي هو الخيال الطّيف أيضا ، والطّيف منه دليل على يطيف . فأمّا أطاف فلان به فمعناه صار طائفا به كأنه أطاف أمره ، وطاف هو فاعل الأمر ، بتعدية الألف ؛ والطّفّ مكان بالعراق معروف ، والطائف بلد وراء مكة ، وكان الحجّاج منه .
وأمّا الآئف فكأنه من الآفة ، يقال : إيفت الشجرة والأرض فهما مؤوفتان ، وإياك أن تقول ما يقول المتكلمون « مأووف » فإنّه مردود ، وليس للمتكلمين حجّة في اللسان فضلا عن أن يكونوا حجة في المعاني ، لأنّ حقيقة المعاني لا تثبت إلّا بحقائق الألفاظ ، [ وإذا تحرّفت المعاني فذلك لتزيّف الألفاظ ] فالألفاظ متلاحمة متواشجة متناسجة ، فما ثلم هذه فقد أجحف بهذه ، وما نقص من هذه فقد فسد من هذه ، وليس [ الشأن ] على أن يفهم من أعجميّ طمطمته فإنّ ذلك المفهوم لم يكن عن تمام اللفظ وصحة التأليف ، وإنما
البصائر والذخائر — صفحة 89
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٨٩