الآفاق ، السّائحين في الدّنيا ، الحافظين للعبر ، المقتبسين للأدب ، فقال شيخ منهم - وكان من مصر : لهذين الحديثين عندي ثالث : كان بالمغرب ورّاق ، وكان معروفا بالإلحاد لظاهر مجونه ، وإفراطه في جنونه ، فكتب مصحفا في ستّة أيام ، فتعجّب النّاس منه ، فقال له رجل : في كم كتبت هذا ؟ قال :
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
( ق : 38 ) ، فحشّت « 1 » يده . هذا لفظ الشيخ ، ومعناه يبست ، والحشيش منه ليبسه « 2 » ، فأمّا ما رطب فهو كلأ .
527 د - والبحث عن هذا الفنّ صعب لأنّ بعضه يقع اتّفاقا ،
وبعضه يقع استحقاقا ، والاعتبار يجمعهما ، وإن كانت الحقيقة لا تميّزهما ، والأولى بالمرء المتحرّج أنّ يهجر اللعب باللّه جلّ وعلا ، وبإلهيته وبكلامه وأفعاله ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لا يغفل عمّا يقال ، ولا يخفى عليه ما يفعل ، ومن علم أنّه بعينه طال صمته ، واشتدّ فرقه ، وقلّ إعراضه ، واتّسعت عبره ، وكان من وراء الزاد للمعاد ، وإذا كان جميع ما تتقلّب فيه كظلّ المتفيّئ وحلم الرّاقد إلّا ما جعله اللّه سلّما إليه ، ورفدا في نيل ما لديه ؛ ما أحوجنا إلى محاسبة أنفسنا ، والأخذ لها منها قبل عطبها وبوارها .
528 قيل لبعض الأغبياء :
ما أحسن القمر ! ! قال : إي واللّه ، خاصة بالليل .
529 قيل لحاتم الأصمّ :
على ما بنيت أمرك ؟ قال : على أربع
شرح
[ 528 ] نثر الدرّ 5 : 108 ( عن جحا ) وأخبار الحمقى : 47 .
[ 529 ] نثر الدرّ 7 : 66 ( رقم : 44 ) وأدب الدنيا والدين : 118 - 119 وكتاب الآداب : 48 - 49 والتذكرة الحمدونية 1 : رقم 423 والمستطرف 1 : 140 ورحلة النهروالي : 159 ووفيات الأعيان 1 : 27 ، وقارن بما في حلية الأولياء 8 : 73 وتاريخ بغداد 8 : 241 وأنس - المحزون : 64 / أ ؛ وحاتم بن عنوان الأصم أبو عبد الرحمن أحد الزهاد المشهورين ، دخل بغداد واجتمع بأحمد بن حنبل وتوفي سنة 237 ؛ انظر تاريخ بغداد 8 : 241 وطبقات السلمي : 91 وحلية الأولياء 8 : 73 والرسالة القشيرية 1 : 111 وصفة الصفوة 4 : 134 ووفيات الأعيان 2 : 26 .
هامش
( 1 ) حشّت اليد وأحشت : يبست ، وأكثر ذلك في الشلل ، وحكي عن يونس حشّت على صيغة ما لم يسمّ فاعله .
( 2 ) يعني أن الحشيش هو يابس الكلأ ، وسمي حشيشا ليبسه .