تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وممّن تهيّأ ذلك عليه من ملوك الجاهلية جذيمة بن مالك الدّوسي صاحب الحيرة الذي ذكره وندمانيه متمّم بن نويرة في مرثيته أخاه ، وذلك بقوله « 1 » : [ الطويل ]
وكنّا كندماني جذيمة حقبة * من الدّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
فلمّا تفرّقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وكان من خبره في السّكر أنّه كان ملكا شديد الحميّة ، عظيم الأنفة والغيرة ، فرغب عن النساء لهذه العلّة ، فلم يكن له زوجة يسكن إليها ، ولا ولد تقرّ به عينه ، فاتخذ جذيمة النّديمين المضروب بهما المثل واصطفاهما وعاقرهما دهرا طويلا ، ولم يمللهما ولا آثر عليهما سواهما ، حتى طرأ عليه رجل من لخم يقال له عديّ ، جميل الوجه ، ظريف اللسان ، حسن العبارة ، كثير المال ، فلما رأى هيئته وسمع منطقه أحبّ منادمته ، فنادمه ، وأشرف جذيمة على الشّراب سرورا باللّخميّ ، فلمّا تبيّن له ذلك خطب إليه أخته ، وذكر أنّه لم يقصده إلّا لذلك ، فزوّجه إياها ، وساق اللخميّ المهر من وقته واستشهد ذينك النّديمين على التزويج ، ودخل عليها فواقعها فعلقت منه عمرا الذي قيل له : شبّ عمرو عن الطّوق « 2 » ؛ وأصبح فخرج إلى شوارع الحيرة فلم تمرّ به ناقة ولا جمل إلّا نحره ، ودفع إلى أربابها أثمانها ، وفرّق على الصّادر والوارد لحومها . وركب جذيمة بعقب ذلك ، فلما رأى اللّحام مقسّمة والدماء مهراقة سأل عن السبب ، فأخبر به ، فصار إلى
هامش
( 1 ) من قصيدة له مفضلية رقم : 67 . ومتمم بن نويرة أبو نهشل الشاعر المشهور كان أعور دميما ، فكان منقطعا من بيته قليل التصرّف في أمر نفسه اكتفاء بأخيه مالك ، فلما بلغه مقتل أخيه قصد مسجد الرسول وصلّى خلف أبي بكر وأنشد في رثاء أخيه ما حرّك عمر بن الخطاب . انظر ترجمته في الشعر والشعراء : 254 والأغاني 15 : 239 ووفيات الأعيان 6 : 15 ؛ وانظر حاشية الشعر والشعراء لمزيد من المصادر . ( 2 ) انظر هذا المثل في أمثال الضبي : 150 وجمهرة العسكري 1 : 547 والفاخر : 59 وأمثال أبي عبيد : 297 ( كبر عمرو . . . ) وفصل المقال : 125 ومجمع الميداني 2 : 56 وجمهرة ابن دريد 3 : 115 والحيوان 6 : 209 وثمار القلوب : 629 .