تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأوائل — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
وأما أحمد بن عمارة فكان أبوه طحانا من أهل المدائن ، أتى البصرة فاتخذ بها ضياعا فكثر ماله . أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن محمد بن إسحاق عن محمد بن علي كاتب علي بن صالح الثعلبي قال : جلس أحمد بن عمارة للمظالم أيام وزارته ، فتقدم اليه رجل فقال : ان كاتب عجيف وجه غلمانه فنهبوا منزلي ، وأخذوا منه قيمة ثلاثين ألف دينار ، فأنكر كاتب عجيف ذلك ، وقال : من أين كان لك هذا المال ؟ قال : أنى أقيم البينة على صحة ما أقول ، فقال أحمد : لعمري ان هذا مال جليل ، ولكل شيء دليل ، فمن أبوك حتى نستدل على صحة قولك ؟ قال : كان أبى طحانا من أهل المذار ، انتقل إلى البصرة ، فاتخذ بها ضياعا ، ففتح اللّه عليه ، وعلى من بعده ، حتى ملكت هذا المال ، وأكثر منه ، فتغامز أهل المجلس ، فقال : ما علينا من أبيك هات بينتك ، فقال الرجل : نعم ، كان عمى زياتا كثير المال ، ولا ولد له فمات ، فورثته ، فبلغ الخبر المعتصم ، فضحك وأمر أن ينصف من كاتب عجيف ، وتحدث الناس بما كان من أمر الرجل ، وعجبوا من جدله وفطنته . وكان عبد الملك الزيات يلوم ابنه محمدا على شغله بالأدب وتركه للتجارة ، فقال له يوما : ما أرى ما أنت فيه ينفعك ، فقال : لتعلمن أنه ينفعني ، وخرج إلى الحسن بن سهل ، فمدحه بقصيدة أولها :
كأنّها حين تناءى خطوها * أخنس موشيّ الشّوى يرعى القلل « 1 »
فأعطاه عشرة آلاف درهم فقال له أبوه : لا ألومك بعدها على شغلك بالأدب . وأخذ عليه في هذا البيت مأخذان : أحدهما قوله : كأنها حين تناءى خطوها ، فابتدأ بمضمر ووصف شيئا لم يذكره ، والآخر قوله : أخنس موشى
هامش
( 1 ) الأخنس : الثور ، والشوى اليدان والرجلان ، والقلل : قمم الجبال .