72 - ولا تبعد القيروان حاضرة العلم الإسلامي بالشمال الإفريقي عن طرابلس ، مستقر الداودي ، ولا عن تلمسان التي نشأ بها ، والأرجح أن يكون قد رحل إليها للتزود من علم علمائها ، كما هو معهود من مسلك طلبة العلم في عصر الداودي وغيره من العصور .
ومع ذلك فإنه لا توجد قرينة واحدة في ما وصل إلينا من شذرات عن حياته تدل على رحلته إلى القيروان وطلبه العلم فيها . غير أن عدم وجود مثل هذه القرينة لا ينفي وجود هذه الرحلة .
73 - ومهما يكن الأمر فقد نشأ الداودي بطرابلس الغرب ، وطلب العلم بها واعتمد بدرجة كبيرة على قراءاته الخاصة ، واشتغل بدراسة المذهب المالكي السائد إلى الآن في الشمال الإفريقي ، وحفظ موطأ الإمام مالك الذي تبحر فيه في ما بعد ، حتى إنه قام بشرحه في مؤلف خاص بعد ذلك .
74 - ولم يلبث الداودي أن بلغ أشده في طرابلس ، وعرف الناس قدره عالما ومناظرا وفقيها وأصوليا ، يتتلمذ طلبة العلم عليه ويحضرون مجلسه ، ويستفتيه المستفتون ، وهو لا يني في القيام بواجبه في إخلاص ودأب أديا إلى تقدير العلماء لفضله وثنائهم على جهده وتداولهم لمؤلفاته .
75 - ويترك الداودي طرابلس بعد فترة لسبب لا نعلمه ، مما عساه أن يرجع للظروف السياسية وتوتر ما بينه وبين العبيديين الذي يمقت مذهبهم وينكر باطنيتهم ، ويتجه غربا ، حيث ألقى عصاه في تلمسان أو في بعض ما جاورها من بلدان ، أو لعله كان ينتقل في بلدان تلكم الأنحاء التي عرف بنسبته إليها كالمسيلة . ويبدو أنه قد استأنف نشاطه العلمي والتعليمي في هذه المناطق التي انتقل إليها ، واستمر في ذلك حتى وافاه الأجل المحتوم في تلمسان ، ودفن عند باب العقبة .
76 - أما عن تاريخ وفاته فثمة خلاف بين المؤرخين ، وأكثرهم على أنه توفى عام 402 ه ، وهو قول ابن خير الإشبيلي وابن فرحون والقاضي
الأموال — صفحة 42
مساهمون: أحمد بن نصر الداوودي
ص٤٢