وأما ما رأيت أن يدوا قتلانا وتكون قتلاهم في النار . فإن قتلانا قتلوا على أمر اللّه ، أجورهم على اللّه ، ليست لهم ديات . قال : فتابع القوم عمر » .
قال أبو عبيد : أفلا ترى أن أبا بكر لم يقبل إسلامهم وصلحهم إلا بنزع الحلقة والكراع منهم ، لما أعلمتك ؟ ثم تابعه عمر على هذا ، والقوم معه . ولا نراهم فعلوا ذلك إلا اتباعا لسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في دومة الجندل وأشباهها من القرى التي لم تدخل في الإسلام إلا كرها ، بعد أن ظهر على بعض بلادهم . ولو كان إسلامهم رغبة غير رهبة لسلمت لهم أموالهم لأن من أسلم على شيء فهو له ، ولو لم يجنحوا إلى السلم حتى يظهر عليهم المسلمون الظهور كله ، ويصيروا أسارى في أيديهم ، ما ترك لهم من أموالهم شيئا ، ولكانت غنائم للمسلمين ، ولكنهم كانوا بين الحالين قد نالوا من المسلمين ونال المسلمون منهم . فلهذا وقع الصلح .
511 - وكذلك فعل خالد بن الوليد بأهل اليمامة « 1 » في حديث يروى عن محمد ابن إسحاق قال : « وكان خالد قد نهكته الحرب « 2 » ، وقتل من المسلمين مقتلة عظيمة ، فعمد مجاعة بن مرارة الحنفي إلى النساء والصبيان ، فألبسهم السلاح وأقامهم على الحصون ، فنظر إليهم خالد فظنهم مقاتلة ، وقد بلغت الحرب منه ومن المسلمين ما بلغت ، فدعاه مجاعة إلى الصلح عند هذا ، فصالحه على ربع الرقيق ، ونصف الصفراء ، والبيضاء ، والحلقة . فلما دخل خالد الحصون بعد الصلح ، فلم ير فيها إلا الذراري والنساء ، قال لمجاعة خدعتنى . فقال مجاعة : قومي ، ولم أستطع إلا ما رأيت » .
512 - قال ابن إسحاق : وقد كان أبو بكر بعث سلمة بن سلامة بن وقش إلى
هامش
( 1 ) وهم بنو حنيفة أتباع مسيلمة الكذاب .
( 2 ) لأن بنى حنيفة كانوا ذوى بأس شديد ومراس في الحرب وقد قيل إن قوله تعالى (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) نزلت في قتال بنى حنيفة وهي من أخبار الغيب التي اشتمل عليها القرآن .