وعشت في الناس مستهاما * يا أطوع الناس للرقيب
إن كان ودي لأهل ودي * قصّر من باعه الرّحيب
وأنت منهم فكن قريبا * أو نائيا وافر النصيب
وأبل ما شئت صفو ودّي * تجده في ثوبه القشيب
[ 199 ]
[ قضاء الحوائج ، ولذّة المرء عند سماع الثناء عليه ] :
قال : وحدثنا جحظة قال : حدثنا ميمون بن هارون بن مخلد بن أبان ، قال : كان عندنا بالبصرة رجل يتعب دوابّه وغلمانه في قضاء حوائج الناس بغير مرزية « 1 » ، فسألته عن ذلك ، فقال : يا أبا عثمان ، سمعت تغريد الأطيار بالأسحار ، في أعالي الأشجار : وتمتّعت بمخزونة الدّنان ، على سماع القيان ، فما طربت طربي على ثناء رجل أحسن إليه رجل .
[ 200 ]
[ بين أبي نواس وأبي العتاهية ، وما قيل في وصف الدنيا ] :
قال : وأنشدني جحظة ، قال : أنشدني حماد لأبي نواس : [ الطويل ]
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت * له عن عدو في ثياب صديق
فلما سمع هذا البيت أبو العتاهية قال : لو نطقت الدنيا لما وصفت نفسها بفوق هذا الوصف .
ولما قال أبو نواس : [ الوافر ]
جريت مع الصّبا طلق الجموح * وهان عليّ مأثور القبيح
وإنّي عالم أن سوف تنأي * مسافة بين جثماني وروحي
قال أبو العتاهية : لقد جمع في هذين البيتين خلاعة ومجونا وإحسانا وعظة .
* * * [ 201 ] قال أبو علي : حدثنا أحمد بن جعفر جحظة ، قال : حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي ، قال : حدثني أبي ؛ قال : رأيت ثلاثة يذوبون إذا رأوا ثلاثة : الهيثم بن عديّ إذا رأى ابن الكلبي ، وعلّوية إذا رأى مخارقا ، وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية .
[ 202 ]
[ المفاضلة بين أبي تمام والبحتري ] :
قال أبو علي : وحدثنا جحظة قال : تحادثنا يوما في الطائي والبحتري أيّهما أشعر ، فقال بعض من حضر مجلسنا : هل يحسن الطائي أن يقول : [ الطويل ]
تسرّع حتّى قال من شهد الوغى * لقاء عدوّ أم لقاء حبيب
فقلت من الطائي سرقه حيث يقول : [ البسيط ]
حنّ إلى الموت حتى قال جاهله * بأنه حنّ مشتاقا إلى وطن
هامش
( 1 ) أي : بغير أن يرزأ أحدا من الناس شيئا ؛ أي : يأخذ منهم أجرا على قضاء حوائجهم . ط