تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمالي ( مع كتابي ذيل الأمالي والنوادر ويليهم كتاب التنبيه مع أوهام أبي علي في أماليه لعبد الله الأندلسي ) — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
[ 80 ]

[ عبد الملك بن مروان وجرير ، وفضل الجهاد ، والغيرة على النساء ، وإنزال الملائكة للنصر ، وهياج الهوى ، وصبوة الشاب والشيخ ] :

وحدثنا أبو بكر بن دريد ، قال : أخبرنا أبو عثمان ، قال : أخبرنا عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن عطيّة بن الخطفي ؛ قال : كان جرير عند الحجاج بالعراق ، وكان آمنه بعد ما أخافه أشد الخوف ، فقدم الحجاج البصرة ، وجرير والفرزدق يتسابّان سبع سنين قبل قدومه ، وجرير مقيم بالبصرة ، وكان قبل ذلك مقيما بالبادية ، فكتب إليه بنو يربوع : أنت مقيم بالبادية وليس أحد يروى عنك ، والفرزدق قد ملأ عليك العراق فانحدر إلى جماعة الناس فأشد بالرّجل كما يشيد بك ، فانحدر وأقام بالبصرة ، فلذلك يقول : [ الكامل ]
وإذا شهدت لثغر قومي مشهدا * آثرت ذاك على بنيّ ومالي
فأوجهه الحجاج وملأ بمدحه الأرض ، وبلغ أهل الشام وأمير المؤمنين ورواه الناس . ثم إن الحجاج أوفده مع ابنه محمد عاشر عشرة من أهل العراق بعد ما أجازه بعشرة من الرقيق وأموال كثيرة ، قال : فقدمنا على عبد الملك ، فخطب بين يديه ، ثم أجلسه على سريره عند رجليه ، ثم دعا بالوفد منا رجلا رجلا وكلّنا له خطبة ، فجعل كلّما خطب رجل قطع خطبته ، وتكلم جرير فقطع خطبته ، ثم قال : من هذا يا محمد ؟ فقال : هذا يا أمير المؤمنين ابن الخطفى ، قال : مادح الحجاج ؟ قلت : ومادحك يا أمير المؤمنين فأذن لي أنشدك ، فقال : هات ما قلت في الحجاج ، فاندفعت في قولي : [ الوافر ]
صبرت النفس يا بن أبي عقيل * محافظة فكيف ترى الثوابا
ولو لم يرض ربّك لم ينزّل * مع النصر الملائكة الغضابا
إذا سعر الخليفة نار حرب * رأى الحجاج أثقبها شهابا
فقال : صدقت ، وورائي الأخطل جالسا ولا أراه ، ثم قال : هات بالحجاج ، فأنشدته : [ الطويل ]
طربت لعهد هيّجته المنازل * وكيف تصابي المرء والشّيب شامل
فما فرغت منها حتى خيّلت في وجه أمير المؤمنين الغضب ، وقال : هات بالحجاج ، فأنشدته : [ الكامل ]
هاج الهوى لفؤادك المهتاج * فانظر بتوضح باكر الأحداج
حتى أتيت على قولي :
من سدّ مطّلع النّفاق عليهم * أم من يصول كصولة الحجاج
أم من يغار على النساء حفيظة * إذ لا يثقن بغيرة الأزواج
فتكلم الأخطل وقال : أين أمير المؤمنين يا ابن المراغة ! فعلمت أنه الأخطل ، فذببت حيال وجهي بكمّي وقلت : اخسأ ، ومضيت حتى أنشدته كلّها ، فقال الخليفة : اجلس ،