زكريا بن يحيى الساجي ، قال : حدثنا الأصمعي ، قال : حدثني بعض العتّابيين ؛ قال « 1 » : كتب كلثوم بن عمرو إلى صديق له : أما بعد أطال اللّه بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة ، فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم ، تبتهج النفوس بها ، وتستريح القلوب إليها ، وكنّا نعفيها من النّجعة ، استتماما لزهرتها ، وشفقة على خضرتها ، وادخارا لثمرتها ، حتى أصابتنا سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف ، واشتدّ علينا كلبها ، وغابت قطّتها ، وكذبتنا غيومها ، وأخلفتنا بروقها ، وفقدنا صالح الإخوان فيها ، فانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك ، مع علمي بأنك موضع الرائد ، وأنك تغطّي عين الحاسد ، واللّه يعلم أني ما أعدك إلا في حومة الأهل . واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ، ولم يمكنه الكثير لم يعرف جوده ، ولم تظهر همّته وأنا أقول في ذلك : [ البسيط ]
ظلّ اليسار على العبّاس ممدود * وقلبه أبدا بالبخل معقود
إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته * حتى تراه غنيّا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرّمت عن بذل القليل ولم * تقدر على سعة لم يظهر الجود
بثّ النوال ولا يمنعك قلّته * فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
قال : فشاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه .
[ 1254 ]
[ شعر في الدّيك ] :
قال أبو علي : وحدثنا أبو بكر بن دريد ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، عن عمه ؛ قال :
سمعت أعرابية رجلا ينشد : [ الطويل ]
وكأس سلاف يحلف الدّيك أنها * لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن
فقالت : بلغني أن الديك من صالح طيركم وما كان ليحلف كاذبا .
[ 1255 ]
[ شعر في السعي على المعيشة ، والسفر ، والمال ، وفائدة ذلك كله ] :
وأنشدنا أبو عبد اللّه نفطويه ، قال : أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي لرجل من العرب - كان أبوه يمنعه من الاضطراب في المعيشة شفقة عليه ، فكتب إليه : [ الطويل ]
ألا خلّني أذهب لشأني ولا أكن * على الناس كلّا إنّ ذاك شديد
أرى الضّرب في البلدان يغني معاشرا * ولم أر من يجدي عليه قعود
أتمنعني خوف المنايا ولم أكن * لأهرب مما ليس منه محيد
فدعني أجوّل في البلاد لعلّني * أسرّ صديقا أو يساء حسود
فلو كنت ذا مال لقرّب مجلسي * وقيل إذا أخطأت أنت سديد
هامش
( 1 ) انظر : « التنبيه » [ 101 ] .