فقال عمر : أحسن واللّه ! فقال : يا أبا الخطاب ، وأحسن واللّه نجبة بن جنادة العذري ، قال : فيما ذا ؟ قال حين يقول : [ البسيط ]
سرت لعينك سلمى عند مغناها * فبتّ مستلهيا من بعد مسراها
فقلت أهلا وسهلا من هداك لنا * إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
تأتي الرياح التي من نحو بلدتكم * حتى أقول دنت منّا بريّاها
وقد تراخت بنا عنها نوى قذف * هيهات مصبحها من بعد ممساها
من حبّها أتمنّى أن يلاقيني * من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول فراق لا لقاء له * وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
ولو تموت لراعتني وقلت لها * يا بؤس للموت ليت الدّهر أبقاها
فضحك عمر وقال : أحسن ويحه واللّه ! لقد هيّجتم عليّ ما كان مني ساكنا ، لأحدثنكم حديثا حلوا : بينا أنا منذ أعوام جالس إذ أتاني خالد الخرّيت ، فقال : يا أبا الخطاب ، مرّ قبيلا أربع يردن كذا وكذا من مكة ولم أر مثلهنّ قط ، فهل لك أن تأتي متنكّرا فتسمع من حديثهن ولا يعلمن ؟ قلت : ويحك ! وكيف لي بأن يخفى ذلك ؟ قال : تلبس لبسة أعرابي ثم تجلس على قعود حتى تهجم عليهنّ قال : فجلست على قعود ثم أتيتهن وسلّمت عليهنّ ، فسألنني أن أحدثن وأنشدهنّ فأنشدتهنّ لكثيّر وجميل وغيرهما ، فقلن : يا أعرابي ؛ ما أملحك ! لو نزلت فتحدّثت معنا يومنا هذا ! فإذا أمسيت انصرفت . قال : فأنخت قعودي فجلست معهن فتحدثت وأنشدتهن ، فدنت هند وهي التي كنت أشبّب بها ، فمدّت يدها فألقت عمامتي عن رأسي ، ثم قالت : باللّه أتراك خدعتنا منذ اليوم ، نحن واللّه خدعناك ، ثم أرسلنا إليك خالدا ليأتينا بك على أقبح هيئاتك ، ونحن على ما ترى . ثم أخذنا في الحديث فقالت : يا سيدي لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي ، فأدخلت رأسي في جيبي فلمّا نظرت إلى كعثبي فرأيته ملء العين وأمنيّة المتمنّي ناديت : يا عمراه يا عمراه ! فصاح عمر : يا لبّيكاه يا لبّيكاه ! ثم أنشأ يقول : [ الطويل ]
ألم تسأل الأطلال والمتربّعا * ببطن « 1 » حليّات دوارس بلقعا
قال أبو علي : وأملى علينا أبو عبد اللّه :
عرفت مصيف الحيّ والمتربّعا
وهو غلط ؛ لأن عرفت مصيف الحي أوّل قصيدة جميل :
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما * نكأن فؤادا كان قدما مفجّعا
بهند وأتراب لهند إذ الهوى * جميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا
هامش
( 1 ) بطن حليات : موضع ذكره ياقوت ولم يبينه ولعله قريب من مكة بدليل قوله في البيت الثاني من القصيدة :إلى السرح من وادي المغمس بدلت * معالمها وبلا ونكباء زعزعا ط