ويغشون حتى ترى كلبهم * يهاب الهرير وينسى النّباحا
فأمر له بجوائز كثيرة ، ثم استأذنه في الانصراف فأذن له وأعطاه ألف دينار ، فلما خرج من عنده وغلمانه جلوس لم يقم إليه أحد منهم ولم يعنه ، فظن أن حربا ساخط عليه فرجع إليه وقال : أواجد أنت عليّ ؟ قال : لا ، ولم ذلك ؟ فأخبره خبر الغلمان ، قال : ارجع إليهم فسلهم ، فرجع إليهم فسألهم ، فقالوا : إنا ننزل الضيف ولا نرحّله ، فلما قدم المدينة ، سمع الغاضريّ بحديثه فأتاه فقال : إني أحب أن أسمع هذا الحديث منك ، فحدثه ، فقال : هو يهودي أو نصراني إن لم يكن فعل الغلمان أحسن من شعرك .
[ 788 ] وقرأت على أبي بكر بن دريد للنمر بن تولب : [ الطويل ]
تضمّنت أدواء العشيرة بينها * وأنت على أعواد نعش تقلّب
قوله : تضمنت أدواء العشيرة بينها ؛ أي : ضمنت ما كان في العشيرة من داء أو فساد إذ كنت فيهم حيّا ، وأنت اليوم على أعواد نعش . وقال الأصمعي : تضمنت : أصلحت ، والمعنى عندي : أنه كان يضمن دماء العشيرة فيصلح بينها .
[ 789 ]
[ مدح أبي العتاهية لبعض الأمراء وخلعه عليه لذلك ، وحسد الشعراء ] :
وحدثنا أبو بكر بن الأنباري ، قال : حدثنا عبد اللّه بن خلف ، قال : حدثنا إسحاق بن محمد النخعي ، قال : حدثني محمد بن سهل ، قال : حدثني المدائني ؛ قال : امتدح أبو العتاهية عمر بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهدي ، فأمر له بسبعين ألف درهم ، وأمر من حضره من خدمه وغلمانه أن يخلعوا عليه ، فخلعوا عليه حتى لم يقدر على القيام لما عليه من الثياب ، ثم إن جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر ، فقال بعضهم : يا عجبا للأمير ، يعطي أبا العتاهية سبعين ألف درهم ! فبلغ ذلك عمر فقال : عليّ بهم ، فأدخلوا عليه ، فقال :
ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء ! إن أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيشبّب في قصيدته بصديقته بخمسين بيتا ، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره ، وقد أتانا أبو العتاهية فشبّب ببيتين ثم قال : [ الكامل ]
إني أمنت من الزمان وريبه * لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله * لحذوا له حرّ الوجوه نعالا
ما كان هذا الجود حتى كنت يا * عمرا ولو يوما تزول لزالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنها * قطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا أتين بنا أتين مخفّة * وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا
فقال له عمر حين مدحه : أقم حتى أنظر في أمرك ، فأقام أياما ولم ير شيئا ، وكان عمر ينتظر مالا يجئ من وجه فأبطأ عليه ، فكتب إليه أبو العتاهية : [ البسيط ]
يا بن العلاء ويا بن القرم مرداس * إني امتدحتك في صحبي وجلّاسي