وقوله :
لم تسم يا هارون إلّا بعد ما * اقترعت ونازعت اسمك الأسماء « 1 »
قال فيه أبو الفتح : أراد : لم تسم بهذا الاسم إلّا بعد ما تقارعت عليك الأسماء ، فكلّ أراد أن تسمى به ، فخرا بك .
وقال أبو العلاء : أجود ما يتأوّل في هذا : أن يكون الاسم هاهنا في معنى الصّيت ، كما يقال : فلان قد ظهر اسمه ، أي قد ذهب صيته في الناس ، فذكره لا يشاركه فيه أحد ، وماله يشترك فيه الناس .
فأمّا أن يكون عنى باسمه هارون ، فهذا يحتمله ادّعاء الشّعراء ، وهو مستحيل في الحقيقة ؛ لأنّ العالم لا يخلو أن يكون فيهم جماعة يعرفون بهارون .
والذي ذهب إليه أبو الفتح ، من إرادته اسمه العلم هو الصّواب . وقول المعرىّ إن الاسم هنا يريد به الصّيت ليس بشئ يعوّل عليه ؛ لأنّ قول أبى الطيّب :
« لم تسم » معناه : لم يجعل لك اسم . وأمّا دفع المعرّىّ أن يكون المراد الاسم العلم بقوله : إنّ في الناس جماعة يعرفون بهارون ، فقول من لم يتأمّل لفظ صدر البيت الذي يلي هذا البيت ، وهو قوله :
فغدوت واسمك فيك غير مشارك « 2 »
والمعنى : أنّ اسمك انفرد بك دون غيره من الأسماء ، فمعارضته بأنّ في الناس جماعة يعرفون بهارون إنما تلزم أبا الطيّب لو قال : فغدوت وأنت غير مشارك في اسمك ، فلم يفرق المعرّىّ بين أن يقال : اسمك غير مشارك فيك ، وأن يقال :
أنت غير مشارك في اسمك ، فإنما أراد أنّ اسمك انفرد بك دون الأسماء ، ولم يرد أنك انفردت باسمك دون الناس ، فاللفظان متضادّان كما ترى .
* * *
هامش
( 1 ) الديوان 1 / 28 ، 29 .
( 2 ) تمامه :والناس فيما في يديك سواء