تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي ابن الشجري — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
فزاد أن جعل الطّير والجيش سحابين ، وجعل السّحاب الأسفل يسقى السّحاب الأعلى ، فغرّب في هذا ، وقد تعنّته في هذا البيت مقصّر « 1 » في معرفة التّدقيق في المعاني بأمرين ، أحدهما : أنّ السحاب لا يسقى ما فوقه ، والآخر : أنّ الطير لا تستسقى ، وإنما تستطعم . وأقول « 2 » : أمّا إسقاء السّحاب ما فوقه ، وهو الذي غرّب به ، فإنه لم يجعل الجيش سحابا في الحقيقة فيمتنع إسقاؤه لما فوقه ، وإنما أقامه مقام السّحاب ؛ لأنه طبّق الأرض لكثرته وتزاحمه « 3 » ، وغطّاها كما يغطّى السحاب السماء ، وقد فعلت العرب ذلك في أشعارها ، ولمّا سمّاه لذلك سحابا جعله يستسقى فيسقى ، مع أن الطير لا تصيب من القتلى ما تصيبه وهي في الجوّ ، وإذا كانت تهبط إلى الأرض حتى تقع على القتيل فالسّحاب السّاقى عال عليها . فأمّا استسقاء الطير فجار على عادة العرب في استعارة هذه اللفظة تعظيما لقدر الماء . قال علقمة بن عبدة ، يطلب أن يفكّ أخوه شأس من الأسر ، يخاطب بذلك ملك الشام :
وفي كلّ حىّ قد خبطت بنعمة * وحقّ لشأس من نداك ذنوب « 4 »
وأصل الذّنوب الدّلو العظيمة ، وقيل للنّصيب : ذنوب ، في قوله تعالى :
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ
« 5 » لأنهم كانوا يقتسمون الماء فيأخذ هذا ذنوبا وهذا ذنوبا . وقال رؤبة « 6 » :
يا أيّها المائح دلوى دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا
هامش
( 1 ) هو العميدىّ في الإبانة عن سرقات المتنبي ، الموضع السابق . ( 2 ) القائل هو القاضي الجرجاني ، كما ذكرت . ( 3 ) هنا وقفت مطبوعة الهند من الأمالي . ( 4 ) فرغت منه في المجلس الثاني والسّتّين . ( 5 ) سورة الذاريات 59 . ( 6 ) هكذا ينسب ابن الشجري الرجز لرؤبة متابعة للقاضي الجرجاني في الوساطة ، والكلام كلّه -