تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 758

مساهمون:

ص٧٥٨
هذا البيت من مشهور شعر امرئ القيس . وصدره :
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت
قوله : « تنازعنا الحديث » أي : تداولناه فحدثتني مرة وحدثتها أخرى ، و « أسمحت » : لانت بعد صعوبتها وانقادت بعد إيابها ، والهصر : الجذب ، يقال : هصرت الغصن فانهصر : أي جذبته إلي فانجذب ، والشماريخ : العراجين ، شبه قدها بالغصن وشعرها بالشماريخ . وفي هذا البيت شيء يظنه قوم مخالفا لما قاله سيبويه ، وذلك أن سيبويه قال في كتابه : ( وأما تفاعلت فلا يكون إلا وأنت تريد فعل اثنين فصاعدا ، ولا يجوز أن يكون معملا في مفعول ، ولا يتعدى الفعل إلى [ 458 ] منصوب . ففي « تفاعلنا » يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته ، وذلك قولك : تضاربنا وترامينا وتقاتلنا ) « 1 » . وقال بعد ذلك : ( وقد تجيء « تفاعلت » على غير هذا ، كما تقول عاقبت ونحوها ، لا تريد بها الفعل من اثنين ، وذلك قولك : تماريت في هذا ، وتراءيت له ، وتقاضيته ، وتعاطيت منه أمرا قبيحا ) « 1 » . فلم يجز سيبويه تعدي تفاعل إلى مفعول إلا إذا كان من واحد ، ولم يجزه إذا كان من اثنتين لكل واحد منهما حظ في الفعل ، والعلة في ذلك أن قولك : « تفاعلنا » قد تضمن الفاعل والمفعول الذي في قولك : « فاعل » ألا ترى أنك تقول : ضاربت زيدا وضاربني زيد ، فتجعل أحدكما الفاعل والآخر المفعول ، فإذا قلت : « تضاربنا » لم يجز أن يتعدى لأنك قد أسندت الفعل إلى كل واحد منكما وجعلته فاعلا ، وتضمن الكلام أن كل واحد منكما ضارب صاحبه ، فلذلك امتنع من التعدي ، إذ لم يكن هناك مفعول خارج عنكما ، وليس كذلك : « تنازعنا الحديث » لأن في هذا مفعولا آخر خارجا عنكما لاحظ في إسناد الفعل إليه ، ألا ترى أنك تقول : نازعت زيدا الحديث ، فتعديه إلى مفعولين ، فإذا قلت : تنازعنا الحديث ، لم يكن بد من ذلك المفعول الثاني ، لأن قولك : « تنازعنا » إنما تضمن أحد المفعولين ولم يتضمن الآخر ، فإذا كان الأمر على ما قلناه فليس فيه نقض لما قاله سيبويه ، لأنا قد أخبرنا أن العلة المانعة من تعديه تضمنه المعنى الذي في فاعلته ، و « تنازعنا الحديث » لم يتضمن المعنى في نازعته الحديث كله فلذلك تعدى .
هامش
- - الجواليقي 380 ، واللسان 5 / 265 ( هصر ) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 228 ، والتاج 14 / 438 ( هصر ) ، وكتاب العين 3 / 411 ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 6 / 54 ، والمخصص 14 / 70 ، 179 ، وتهذيب اللغة 4 / 346 ، 6 / 107 ، وتقدم في ص 272 ، 368 . ( 1 ) كتاب سيبويه 4 / 69 .