وقيل : أصل هذا أنّ الفصيل إذا أصابه العرّ لفساد في لبن أمه عمدوا إلى أمه فكووها فتبرأ ويبرأ فصيلها ، لأن ذلك الداء إنما كان يسري إليه في لبنها ، وهذا أغرب الأقوال وأقربها إلى الحقيقة .
والكاف في قوله : كذي العر تحتمل وجهين : أحدهما أن تكون في موضع الحال من الهاء في « تركته » ، كأنه قال : وتركته مشبها ذا العرّ . والثاني : أن تكون صفة لمصدر محذوف ، كأنه قال : تركته تركا مثل ترك ذي العرّ ، ففي هذا الوجه حذف مضافا وأقام ما أضيف إليه مقامه ، وحذف موصوفا وأحل صفته محله ، وفي الوجه الأول لم يحذف شيئا .
وقوله : وهو رائع جملة في موضع الحال ، أي يكوى غيره في حال رتوعه . وأما قوله : يكوى غيره وهو راتع فجملة لا موضع لها من الإعراب لأنها مفسرة لما قبلها ، كأنه لما قال : وتركته كذي العر ، قيل : وما شأن ذي العرّ ، فقال : يكوى غيره وهو راتع ، ونظير هذا : « لم أر أعجب من أمر زيد يضرب أخوه وهو يضحك » ، فقولك : « وهو يضحك » جملة لها موضع ، وقولك : « أخوه يضرب وهو يضحك » جملة مفسرة لا موضع لها .
ومن روى : كذي العرّ بفتح العين ؛ فقد غلط لأن العرّ الجرب ، ولم يكونوا يكوون من الجرب ؛ إنما كانوا يكوون من القروح التي تخرج في مشافر الإبل وقوائمها خاصة .
وأنشد في هذا الباب « 1 » : [ من الطويل ]
( 150 ) وأوثر غيري من عيالك بالطّعم
هذا البيت لأبي خراش الهذلي ؛ واسمه خويلد بن مرة وصدره :
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه
[ 372 ] وبعده « 2 » :
مخافة أن أحيا برغم وذلّة * وللموت خير من حياة على رغم
قال الأصمعي : قوله : « شجاع البطن » مثل أن يقول : الجوع يتلظى في جوفي كما يتلظى الشجاع ، والشجاع : الحية ، وقيل : يريد بالشجاع الصفر ؛ وهي حية تتخلق في البطن
هامش
( 1 ) البيت لأبي خراش الهذلي في أدب الكاتب 339 ، وشرح الجواليقي 269 ، وشرح أشعار الهذليين 1200 ، واللسان 8 / 174 ( شجع ) ، 12 / 364 ( طعم ) ، وتهذيب اللغة 1 / 332 ، 2 / 190 والتاج 13 / 490 ( قرر ) ، 21 / 253 ( شجع ) ( طعم ) ، وبلا نسبة في ديوان الأدب 1 / 159 ، وأساس البلاغة ( شجع ) .
( 2 ) شرح أشعار الهذليين 1200 ، والتاج 13 / 409 ( قرر ) .