تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 561

مساهمون:

ص٥٦١
والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح ، فتقول : أخزاه اللّه ما أشعره ، ولعنه اللّه ما أجرأه ، وكذلك يستعملون لفظ المدح في الذم ، فيقولون للأحمق : يا عاقل ، وللجاهل : يا عالم . ومعنى هذا يا أيها العاقل عند نفسه ، أو عند من يظنه عاقلا ، فسموه عاقلا على ما يعتقده في نفسه . وأما قولهم : أخزاه اللّه ما أشعره ، ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم ، فلهم في ذلك غرضان : أحدهما أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه ، ونطق باستحسانه فربما أصابه بعين ، وأضرّ به ، فيعدلون عن مدحه إلى ذمه ، لئلا يؤذوه . والثاني : أنهم يريدون أنه بلغ غاية الفضل ، وحصل في حدّ من يذم ويسب ، لأن الفاضل يكثر حساده والمعادون له ، والناقص لا يلتفت إليه ، ولذلك كانوا يرفعون أنفسهم [ 365 ] عن مهاجاة الخسيس ، ومجاوبة السفيه ، ولذلك قال الفرزدق « 1 » : [ من الطويل ]
وإنّ حراما أن أسبّ مقاعسا * بآبائك الشمّ الكرام الخضارم
ولكنّ نصفا لو سببت وسبّني * بنو عبد شمس من مناف وهاشم
وقال أبو الطيب « 2 » : [ من الوافر ]
صغرت عن المديح فقلت أهجى * كأنك ما صغرت عن الهجاء
ويروى : ويلمه ، بكسر اللام ، وويلمه بضمها ، فمن كسر اللام ففيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون أراد : ويل أمه ، بنصب ويل وإضافته إلى الأم ، ثم حذف الهمزة لكثرة الاستعمال ، وكسر لام ويل ، اتباعا لكسرة الميم ، كما قالوا : مررت بامرئ القيس ، فكسروا الراء ، لكسرة الهمزة . والثاني : أن يكون المراد ويل لأمه ، برفع « ويل » على الابتداء ، و « لأمه » خبره ، وحذف لام ويل وهمزة أم كما قالوا : أيش لك ، يريدون أيّ شيء ؟ فاللام المسموعة في ويلمه على هذا ، هي لام الجر .
هامش
( 1 ) البيتان للفرزدق في ديوانه 2 / 300 ( ط . صادر ) ، 844 ( ط . الصاوي ) ، والأول في خزانة الأدب 9 / 285 ، والدرر 2 / 74 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 191 ، والمقتضب 4 / 74 ، وبلا نسبة في شرح أبيات سيبويه 1 / 46 ، وهمع الهوامع 1 / 119 ، والثاني في أساس البلاغة ( نصف ) ، والإنصاف 1 / 87 ، وتذكرة النحاة 345 ، والرد على النحاة 97 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 191 ، والمقتضب 4 / 74 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 5 / 279 . ( 2 ) ديوان المتنبي 1 / 46 بشرح العكبري من قصيدة يهجو بها السامري .