وقبله :
ألا من مبلغ مروان عني * رسولا والرسول من البيان
فلولا أنّ أمّك مثل أمي * وأنك من هجاك فقد هجاني
وأعلم أنّ ذاك هوى رجال * هم أهل العداوة والشّنان
لقد جاهرت بالبغضاء إني * إلى أمر الجهارة ذو علان
قوله : فلا يرمى بي الرجوان : مثل يضرب لمن يتهاون به « 1 » ، ولمن يعرّض للمهالك ، والرجوان : ناحيتا البئر . وأصل هذا : أن البئر إذا كانت مطوية بالحجارة احتاج المستقي منها إلى أن يتحفظ بالدلو ، لئلا يصيب أحد جانبي البئر فيتخرق أو ينقطع فيقال له عند ذلك : ( أبن أبن ) أي أبعد دلوك عن جانبي البئر . وإذا كان المستقي ممن يتهاون بالدلو ، ويريد الإضرار بصاحبها ، صدم له بها أحد جانبي البئر فانخرقت وانقطعت فضرب ذلك مثلا لمن يخاطر به ، ويعرّض للهلاك ، ولهذا الذي وصفناه ، قال بعض السقاة « 2 » :
[ من الرجز ]
أما يزال قائل : أبن أبن * دلوك عن حد الضّروس واللّبن
وقوله : فلا يرمى ، يجوز أن يكون لا بمعنى ليس . ويجوز أن تكون نهيا ، وأثبت الألف ضرورة ، وكان ينبغي أن يحذفها للجزم . وقد روي : فلا يقذف وهذا لا ضرورة فيه .
وأقل : مرفوع بالابتداء ، ومن خبره . والجملة في موضع خبر إن .
ومعناه : قليل من القوم من يغني مكاني ، وينوب منابي ، فيكون على هذا التأويل قد أثبت أن في الناس من يقوم مقامه ، إلا أنه قليل . والأجود أن تكون القلة هاهنا بمعنى النفي ، فيكون قد نفى أن يقوم أحد مقامه ، لأنه يعظم نفسه ، والعرب تستعمل القلة بمعنى النفي ، فيقولون : أقل رجل يقول ذاك إلا زيد ، وإنما جاز ذلك لأن الشيء إذا قل انتفى أكثره .
هامش
( 1 ) مجمع الأمثال 1 / 213 ، والمستقصى 2 / 269 ، والدرة الفاخرة 2 / 511 ، 536 .
( 2 ) الرجز لابن هرمة في ديوانه 216 ، واللسان 11 / 693 ( هذل ) ، والتاج ( هذل ) ، ولسالم بن دارة أو لابن ميادة في اللسان 13 / 375 ( لبن ) ، ولابن ميادة في ملحق ديوانه 260 ، واللسان 6 / 119 ( ضرس ) ، والتنبيه والإيضاح 2 / 285 ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة 379 ، 702 ، 1174 ، وكتاب الجيم 1 / 84 .