وهذا الذي أنكره غير منكر ، لأن الحي قد يجوز أن يسمى ميتا ، لأن أمره يؤول إلى الموت . كما يقال للزرع : قصيل ، لأنه يقصل ؛ أي يقطع . وتقول العرب : « يئس الرّميّة الأرنب » « 1 » ، فيسمونها رميّة ، لأنها مما يرمى . ويقال للكبش الذي يراد ذبحه : ذبيحة ، وهو لم يذبح ، وأضحية ولم يضحّ بها « 2 » .
وقال اللّه تعالى :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
« 3 » . وقال عزّ وجلّ :
إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً
« 4 » ، وإنما يعصر العنب ، وهذا النوع في كلام العرب كثير . والعجب من إنكار أبي حاتم إياه مع كثرته . وقد فرّق قوم بين الميّت بالتشديد ، والميت بالتخفيف . فقالوا : الميّت بالتشديد : ما سيموت ، والميت بالتخفيف : ما قد مات . وهذا خطأ بالقياس ومخالف للسماع .
أما القياس ؛ فإنّ « ميت » المخفف إنما أصله ميّت فخفف ، وتخفيفه لم يحدث فيه معنى مخالفا لمعناه في حال التشديد ، كما يقال : هين وهيّن ، ولين وليّن ؛ فكما أن التخفيف في « هين ولين » لم يحل معناهما ، فكذلك تخفيف ميّت .
وأما السماع ؛ فإنا وجدنا العرب لم تجعل بينهما فرقا في الاستعمال ؛ ومن أبين ما جاء [ 49 ] في ذلك قول الشاعر : [ من الخفيف ]
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميّت الأحياء « 5 »
هامش
( 1 ) ورد هذا القول في الكتاب 3 / 648 ومعه هذا التعليق : ( إنما تريد : بئس الشيء مما يرمى ) ، كما ورد في اللسان ( رمى ) 14 / 336 ومعه هذا التعليق : ( يريدون بئس الشيء مما يرمى ، يذهب إلى أن الهاء في غالب الأمر إنما تكون للإشعار بأن الفعل لم يقع بعد بالمفعول ، قال الجوهري : أي بئس الشيء مما يرمى به الأرنب ، قال : وإنما جاءت الهاء لأنها صارت في عداد الأسماء ، وليس هو على رميت فهي مرمية ، وعدل بها إلى فعيل ، وإنما هو بئس الشيء في نفسه مما يرمى الأرنب ) .
( 2 ) في اللسان ( رمى ) 14 / 336 : ( وكذلك يقولون : هذه ذبيحتك ، للشاة التي لم تذبح بعد ، كالضحية ، فإذا وقع بها الفعل فهي ذبيح ) .
( 3 ) الزمر : 30 .
( 4 ) يوسف : 36 .
( 5 ) البيت لعدي بن الرعلاء في الأصمعيات ص 152 ، والتاج 5 / 101 ( موت ) ، والحماسة الشجرية 1 / 195 ، وخزانة الأدب 9 / 538 ، وسمط اللآلي ص 8 ، 603 ، وشرح المفصل 10 / 69 ، وكتاب الصناعتين ص 324 ، واللسان 2 / 91 ( موت ) ، والمحكم 1 / 218 ، ومعجم الشعراء ص 86 ، ولصالح بن عبد القدوس في حماسة البحتري ص 214 ، وتمثل به الحسن في البيان والتبيين 1 / 119 ، وهو بلا نسبة في التاج ( حيي ) ، والتنبيه والإيضاح 1 / 73 وتهذيب اللغة 14 / 343 ، والحيوان 6 / 507 ، وشرح شواهد المغني 2 / 936 ، وشرح قطر الندى ص 234 ، وعمدة الحفاظ 4 / 124 ( موت ) ، 1 / 478 ( حيي ) .