وقوله « 1 » : والمنحة مردودة : المنحة ، والمنيحة : الشاة أو الناقة يعيرها الرجل صاحبه لينتفع بلبنها مدة ثم يردها « 2 » . فأراد أن إعطاءه إياها ليس يخرجها عن ملك صاحبها ، إلا أن يعطيها إياه على وجه الهبة ، فليس له أن يرجع فيما وهب ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « الراجع في هبته كالراجع في قيئه » « 3 » .
وقوله « 4 » : والعاريّة مؤدّاة : يريد أن إعارته إياها لا يخرجها عن ملكه ، كما لم يخرج المنحة عن ملكه منحه إياها . والعارية أعمّ من المنحة ، لأنها لا تقع على كل ما أعطاه الإنسان إعطاء ينوي استرجاعه ، إذا قضى المستعير منه حاجته ، فكل منحة عارية ، وليست كل عارية منحة . واشتقاق العارية من التّعاور ؛ وهو تداول الرجلين الشيء يفعله هذا حينا ، ويفعله هذا حينا ، ويقال : عاورته الشيء معاورة وعوارا ، كما تقول : داولته الشيء مداولة ودوالا ، قال ذو الرمة : [ من الطويل ]
وسقط كعين الدّيك عاورت صاحبي * أباها وهيّأنا لموقعها وكرا « 5 »
ووزن عاريّة على هذا « فعليّة » ، وأصلها عوريّه ، انقلبت واوها ألفا ، لتحركها وانفتاح ما قبلها .
وزعم بعض العلماء أنها منسوبة إلى العار ، لأن استعارتها عار على مستعيرها « 6 » ، وهذا خطأ من وجهين : أحدهما : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد استعار أدراعا من صفوان بن أمية ، ولو كان ذلك عارا ما فعله . والثاني : أن العار عينه ياء ، ويدل على ذلك قولهم : عيّرته ، كذا قال النابغة : [ 39 ] [ من البسيط ]
وعيّرتني بنو ذبيان خشيته * وهل عليّ بأن أخشاك من عار « 7 »
هامش
( 1 ) النهاية 4 / 364 ( منح ) .
( 2 ) أضاف في النهاية 4 / 364 : ( وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردّها ) .
( 3 ) أخرجه البخاري في كتاب الهبة برقم 2449 .
( 4 ) من حديث صفوان بن أمية في النهاية 3 / 320 ( عور ) .
( 5 ) ديوان ذي الرمة ص 1426 ، واللسان 4 / 618 ( عور ) ، وتهذيب اللغة 3 / 165 ، والتاج 13 / 163 ( عور ) 19 / 357 ( سقط ) ، وبلا نسبة في كتاب العين 5 / 71 ، والمخصص 17 / 21 .
( 6 ) انظر النهاية 3 / 320 ( عور ) ، وعنه في اللسان ( عور ) .
( 7 ) ديوان النابغة الذبياني ص 78 ، واللسان 4 / 625 ( عير ) ، والتاج 13 / 178 ( عير ) ، وأدب الكاتب ص 447 ، وشرح الجواليقي ص 304 ، وسيعاد البيت هنا ص 82 ، 629 برقم 206 مع شرحه .