وأما قولهم : سمك مالح ، فلولا الرواية وما أنشدناه من الأشعار المتقدمة ، لكان قياسه [ 218 ] ألّا يجوز ، لأنه يقال : ملّحت الشيء : إذا جعلت فيه الملح بقدر ، فإن أكثرت فيه من الملح قلت : أملحت . فالقياس أن يقال : سمك مالح ومملوح ، فإن أكثر فيه من الملح :
قيل سمك مملح . فأما ما حكوه من قولهم سمك مالح فينبغي أن يكون من المنسوب الذي يأتي فيه المفعول على لفظ فاعل ، كقولهم : ماء دافق ، وعيشة راضية ، ونحو ذلك .
وحكى علي بن حمزة عن بعض اللغويين : أنه يقال : ماء ملح . فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت : سمك مالح ، وبقلة مالحة ، قال : ولا يقال ماء مالح ، لأن الماء هو الملح بعينه ، وهذا قول غير معروف ، وهو مع ذلك مخالف للقياس ، لأن صفة الماء بأنه مالح ، أقرب إلى القياس من وصف السمك ، لأنهم قالوا : ملح الماء وأملح ، فأسندوا إليه الفعل ، كما يسند إلى الفاعل . ولم يقل ملح السّمك : إنما قالوا : ملّحت السمك : إذا جعلت فيه الملح .
مسألة : قال في هذا الباب « 1 » :
ويقال قد فاظ الميت يفيظ فيظا ويفوظ فوظا . هكذا رواه الأصمعيّ ، وأنشد لرؤبة « 2 » : [ من الرجز ]
لا يدفنون منهم من فاظا
قال « 3 » : ولا يقال : فاظت نفسه ، وحكاه غيره . قال : ولا يقال : فاضت ، وإنما يفيض الماء والدمع . وأنشد الأصمعيّ « 4 » : [ من الخفيف ]
كادت النفس أن تفيظ عليه * إذ ثوى حشو ريطة وبرود
فذكّر النفس وجاء بأن مع كاد .
قال المفسر : كان الأصمعيّ لا يجيز « فاظت نفسه » لا بالظاء ولا بالضاد « 5 » ، وكان يعتقد في قول الشاعر : [ من الخفيف ]
كادت النفس أن تفيظ عليه * . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) أدب الكاتب ص 432 .
( 2 ) سيشرح الرجز مع تخريجه عند إعادته برقم 192 ؛ ص 613 .
( 3 ) ورد قوله في إصلاح المنطق 285 - 286 ، وسفر السعادة 411 - 412 .
( 4 ) البيت لأبي زيد الكلابي كما سيأتي مع تخريجه عند شرحه ص 614 .
( 5 ) في اللسان ( فيظ ) 7 / 454 : ( أبو القاسم الزجاجي : يقال فاظ الميت ، بالظاء ، وفاضت نفسه بالضاد ، وفاظت نفسه ، بالظاء ، جائز عند الجميع إلا الأصمعي فإنه لا يجمع بين الظاء والنفس ) ، وانظر سفر السعادة 412 .