فالجواب عن ذلك من وجهين :
أحدهما : أنّ « أما » كان القياس أن يظهر بعدها فعل الشّرط كما يظهر مع « مهما » فلما حذف للعلّة التي قدّمنا ذكرها . قدّم بعض الكلام الواقع بعد « الفاء » ليكون كالعوض عن « 1 » المحذوف .
والثاني : أنّ « الفاء » إنما وضعت في كلام العرب للاتباع ؛ أي لتجعل [ ه ] ما بعدها تابعا لما قبلها . ولم توضع لتكون مستأنفة ، والاتباع فيها على ضربين :
إمّا اتباع اسم مفرد ، كقولك : قام زيد فعمرو .
وإمّا اتباع جملة لجملة كقولك : قمت وضربت زيدا .
فلو قلت : « أما فزيد منطلق » ، لوقعت « الفاء » مستأنفة ، ليس قبلها اسم ولا جملة يكون ما بعدهما تابعا له ، إنما قبلها حرف معنى لا يقوم بنفسه ، ولا تنعقد به فائدة الاسم ، فقالوا : أما زيد فمنطلق ، ليكون ما بعدها تابعا لما قبلها ، على أصل موضوعها .
واستيفاء الكلام في هذه المسألة يخرجنا عن غرضنا الذي قصدناه ، وليس كتابنا هذا كتاب نحو ، فنستوعب فيه هذا الشأن . فمن أراده فليلتمسه في مواضعه إن شاء اللّه .
قوله بجميع محامده : ذهب أكثر اللّغويين والنّحويين إلى أنّ المحامد جمع « حمد » على غير قياس ، كما قالوا المفاقر ، جمع فقر ، والمذاكر جمع ذكر .
وقال قوم : المحامد : جمع محمدة وهذا هو الوجه عندي ، لأن المحمدة قد نطقت بها العرب نثرا ونظما . « * » قال الأحنف بن قيس : ألا أدلكم على المحمدة ؟ . . . . . الخلق السّجيح والكفّ عن القبيح « * » . وقد قال النّحويون : إنّ الأفعال التي يكون منها الماضي على « فعل » بكسر العين ، فقياس « المفعل » منها أن يكون مفتوح العين في المصدر والزمان والمكان ، كالمشرب والمعلم والمجهل ؛ إلا كلمتين شذّتا ، وهما المحمدة والمكبر ؛ فجاءتا بكسر العين .
قال أعشى همدان : [ من المتقارب ]
طلبت الصّبا إذ علا المكبر * وشاب القذال فما تقصر « 2 »
فإذا كانت « المحمدة » موجودة في كلامهم ، مشهورة في استعمالهم ، فما الذي يحوجنا إلى أن نجعل المحامد جمع حمد « 3 » على غير قياس .
هامش
( 1 ) سقطت ( عن ) من « ط » .
* سقط ما بين النجمتين من « ط » .
( 2 ) البيت لأعشى همدان في الأغاني 6 / 38 ، وهو مطلع قصيدة طويلة . المكبر ( بفتح الباء وكسرها ) :
علو السن . القذال : جماع مؤخر الرأس ، وقيل ما بين نقرة القفا إلى الأذن .
( 3 ) في « ط » : جمعا للحمد .