قال أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة :
أما بعد حمد اللّه بجميع محامده : « أما » : حرف إخبار ، يدخل على الجمل المستأنفة ، ويتضمّن معنى حرف الشّرط ، والفعل المشروط له ، ولذلك احتاج إلى الجواب بالفاء ، كما يجاب الشرط .
فإذا قيل لك : أما زيد فمنطلق ، فمعناه : مهما يكن من شيء فزيد منطلق . فناب « أمّا » مناب حرف الشرط الذي هو « مهما » ، ومناب الفعل المجزوم به ، وما تضمنه من فاعله ، فلذلك ظهر بعده الجواب ، ولم يظهر الشّرط ، لقيامه مقامه . وجوابه هاهنا من مدخول الفاء التي في [ 3 ] قوله : فإني رأيت .
وقوله : بعد حمد اللّه : « بعد » : ظرف ، يعرب إذا أضيف إلى ما يتّصل به فإذا انقطع عن الإضافة ، بني على الضم إن اعتقد « 1 » فيه التعريف ، وأعرب إن اعتقد فيه التّنكير . ولا يضاف إلا إلى المفرد ، أو ما هو في حكم المفرد . فالمفرد كقولك : جئتك بعد الظهر ، وبعد خروج زيد . والذي في حكم المفرد كقولك : جئتك بعد ما خرج زيد ، وبعد أن أذّن الظهر . فهذا الكلام وإن كان جملة ، فهو في تأويل المفرد . ألا ترى أنّ تأويله جئتك بعد خروج زيد وبعد آذان الظهر .
وقوله : أما بعد حمد اللّه : « بعد » : ينتصب هاهنا على وجهين :
أحدهما : أن يكون العامل فيه ما تضمّنته « أما » من معنى الشرط ، لأنّ التقدير والمعنى : مهما يكن من شيء بعد حمد اللّه .
والثاني : أن يكون العامل فيه « رأيت » على معنى التقديم والتّأخير ، كأنه قال :
مهما يكن من شيء ، فإني رأيت بعد حمد اللّه . فيكون بمنزلة قوله جل جلاله :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
« 2 » . فالعامل في اليتيم والسّائل ؛ الفعلان اللذان بعدهما ، كأنّه قال : مهما يكن من شيء ، فلا تقهر اليتيم ، ومهما يكن من شيء ، فلا تنهر السائل .
ولا يصح عندنا نصب اليتيم والسّائل ، بما تضمنته « أمّا » من معنى الشرط ، كما صحّ في قوله : أما بعد حمد اللّه لأنّ المعاني تعمل في الظّروف ، ولا تعمل في المفعولات الصّحاح .
فأما إعمال معنى الشرط في « بعد » فجائز باتّفاق . وأما إعمال « رأيت » فيه ، فرأي غير متّفق عليه ؛ فأبو عثمان المازنيّ لا يجيزه ، وحجته أنّ خبر « إنّ » لا يعمل فيما قبلها ، لأنها عامل غير متصرّف . فلا يجوز أن يقال : زيدا إنك ضارب ، على معنى إنك ضارب زيدا .
وكذلك لا يجوز عند المازني ومن وافقه : أما زيدا فإنك ضارب .
هامش
( 1 ) في « ط » : ( اغتفر ) .
( 2 ) الضحى : 9 - 10 .