تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإقتضاب في شرح أدب الكتاب — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وكان أبو العباس المبرد يجيز أن يعمل خبر « إن » فيما قبلها مع « أما » . ولا يجيزه مع غير « أما » . فكان يجيز : أما زيدا فإنك ضارب ، ولا يجيز : زيدا إنّك ضارب . وكان يزعم أنّه مذهب سيبويه . وحجّته أنّ « أما » وضعت في كلام العرب على أن يقدّم معها على الفاء ، ما كان مؤخرا بعد الفاء ؛ ألا ترى أنك تقول : مهما يكن من شيء [ 4 ] فزيد منطلق ، فتجد زيدا بعد الفاء ، فإذا وضعت « أما » مكان « مهما » فقلت : أما زيد فمنطلق ، وجدت زيدا قد تقدّم قبل الفاء . فلما كانت « أما » موضوعة على معنى التقديم والتأخير ، جاز معها من التقديم والتأخير ما لم يجز مع غيرها . ومن الحجّة له أيضا ، أنّه لو استحال أن يعمل خبر « إن » فيما قبلها مع « أما » لما جاز أن يعمل « ما » بعد الفاء فيما قبلها في قوله سبحانه وتعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ
« 1 » لأن الفاء موضوعة للاتباع ، فهي ترتب « 2 » الثاني بعد الأول ، ولا يجوز لما بعدها أن ينوى به التقديم على ما قبلها . فكما جاز « لما » بعد « الفاء » أن يعمل فيما قبلها مع « أما » ، كذلك جاز في خبر « إن » . والمازنيّ يفرّق بين « الفاء » و « إن » ، لأن « الفاء » قد وجدنا ما بعدها يعمل فيما قبلها مع غير « أما » في قولك : زيدا فاضرب ، ويعمر فامرر ، على ضروب من التأويل . ولم نجد خبر « إنّ » يعمل فيما قبلها مع غير « أما » فنقيس « أما » عليه . ومن النحويّين من يجيز : أما اليوم فإنك خارج ، فيعمل خبر « إن » في اليوم ، ولا يجيز أن يقال : أما زيدا فإنّك ضارب . وحجّته أنّ الظروف يتّسع فيها ما لا يتسع في غيرها . وأما سيبويه رحمه اللّه فإنه قال في كتابه قولا مشكلا ، يمكن أن يتأوّل « 3 » على مذهب أبي العباس ، وهو الأظهر فيه . ويمكن أن يتأوّل على مذهب المازنيّ . فإن قال قائل : لأيّ علّة لزم أن يقدّم مع « أما » قبل « الفاء » ما كان مؤخرا بعدها مع « مهما » ؟ لأنّا نقول : مهما يكن من شيء فعبد اللّه خارج ، ثم نقول : أما عبد اللّه فخارج فنجد عبد اللّه الذي كان مؤخرا بعد « الفاء » مع « مهما » قد تقدم عليها مع « أما » . وكذلك الآية المذكورة ، ولو ظهرت فيها « مهما » ، لوجب أن يقال : مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم . أو يقال : مهما يكن من شيء فاليتيم لا تقهر . فلما وضعت « أما » موضع « مهما » ، صار الكلام :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ
فتقدم اليتيم الذي كان حكمه التأخير .
هامش
( 1 ) الضحى : 9 . ( 2 ) في « ط » : ( ترتيب ) . ( 3 ) في « ط » : ( يتناول ) .