هذا ومن أعظم خطأ السلاطين والامراء نظرهم في سياسات متقدميهم ، وعملهم بمقتضاها ، من غير نظر في ما ورد به الشرع ، ثم تسمية افعالهم الخارجة عن الشرع سياسة . فان الشرع هو السياسة ، لا عمل السلطان بهواه ورأيه . ووجه خطئهم في هذا ان مضمون قولهم يقتضي ان الشرع لم يرد بما يكفي في السياسة ، فاحتجنا إلى تتمة في ما رأيناه ، فهم يقتلون من لا يجوز قتله ، ويفعلون ما لا يحل فعله ، ويسمون ذلك سياسة . وهذا تعاط على الشريعة يشبه المراغمة ، وهو قريب من
( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ )
« 32 » ومنه ذكر المساوئ على الوجه المشروح من يخرج مساوئ الكبير وهيأته في هيأة المدح والمكارم والعظمة ، غير ملتفت للتحريم ، وكذا من أسباب التحريم الزيادة في الجرح على ما يحصل الغرض والنقص من المدح . ومنه ما هو مستحب حيث كان طريقا للاقتفاء في المحاسن ، وترك ما لا يناسب من المشاين ، واعمال الفكر في تدبر العواقب ، وعدم الوثوق بدوام قريب أو صاحب وغيرها ، مما أشرنا اليه في فوائده . ومنه ما هو 267 مكروه لكثيرين من تسويد كثير منهم للأوراق ، حسبما ذكره ابن الأثير « 33 » ، بصغائر الأمور التي الاعراض عنها أولى ، وترك تسطيرها احرى وأعلى ، كقولهم خلع على فلان الذمي ، وزيد في السعر اليومي ، وأكرم فلان وهو من المجرمين ، وأهين « 34 » فلان وهو من أئمة المسلمين أصحاب الهيئات المعتبرين ، لاقتضاء هذا التجري على غيرهم كما سيأتي « 35 » . ومنه ما هو مباح حيث لا نفع فيه ، لا دنيوي
هامش
( 32 ) سورة 43 آية 23 .
( 33 ) ابن الأثير : الكامل ج 1 ص 2 فما بعد « القاهرة 1301 » مع بعض الاختلاف في اللفظ .
( 34 ) انظر أدناه ص 298 .
( 35 ) ج 1 ص 15 ( القاهرة 1334 ، 1346 كتاب العلم ، الباب الثاني ) . ويبدو ان الغزالي كان أساسا لكتاب العلموى « المعيد في أدب المفيد والمستفيد » ص 25 ( دمشق 1349 ) .