الأثير « 152 » في « كامله » « أن فوائده كثيرة ، ومنافعه الدنيوية والأخروية غزيرة ، وها نحن نذكر شيئا مما يظهر لنا فيها ، ونكل إلى قريحة الناظر فيه معرفة باقيها .
فأما الدنيوية فمنها ان الانسان لا خفاء به يحب البقاء ، ويؤثر ان يكون في زمرة الاحياء ، فيا ليت شعري أي فرق بين ما راه أمس أو سمعه ، وبين ما قرأه في الكتب المتضمنة أخبار الماضين وحوادث المتقدمين ، فإذا طالعها فكأنه عاصرهم ، وإذا علمها فكأنه حاضرهم . ومنها ان الملوك ومن 230 إليهم الامر والنهي إذا وقفوا على ما فيها من سيرة أهل الجور والعدوان ، ورأوها مدونة في الكتب يتناقلها الناس ، فيرويها خلف عن سلف ، ونظروا إلى ما أعقبت من سوء الذكر وقبح الأحدوثة وخراب البلاد وهلاك العباد وذهاب الأموال وفساد الأحوال ، استقبحوها ، وأعرضوا عنها ، واطرحوها . فإذا رأوا سيرة الولاة والعارفين وحسنها ، وما يتبعهم من الذكر الجميل بعد ذهابهم ، وان بلادهم وممالكهم عمرت ، وأموالها درت ، استحسنوا ذلك ، ورغبوا فيه ، وثابروا عليه ، وتركوا ما ينافيه ، هذا سوى ما يحصل لهم من معرفة الآراء الصائبة التي دفعوا بها مضرات الأعداء ، وخلصوا بها من المهالك ، واستضافوا نفائس المدن وعظيم الممالك ، ولو لم يكن منها غير هذا لكفى به فخرا .
ومنها ما يحصل للانسان من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تصير اليه عواقبها ، وانه لا يحدث له أمر الا وقد تقدم هو أو نظيره ، فيزداد عقلا ويصبح لان يقتدى به اهلا . ولقد أحسن القائل
هامش
( 152 ) توفى سنة 630 ه / 1234 م ( انظر بروكلمان ج 1 ص 345 فما بعد ) وهذا الاقتباس من « الكامل » ج 1 ص 4 - 6 ( القاهرة 1301 وهو يمتد إلى ص 232 سطر 4 ) .