تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
أحدهما أنّ حقّ المال الانفاق وأنّ مالكه إن لم يصرفه فيما تتطلّع نفسه إليه من شهواته في حياته وإلّا حظي غيره بما بقي منه بعد وفاته . والثاني ما يرجوه من سرعة الخلف في إنفاقه ، وهذان الاعتقادان فاسدان إلّا في اليسير لأنّه ليس حقّ ما ملك من المال الإنفاق فإن كان إنفاق ما تدعو الحاجة إليه حسن المعنى لكن في المال قوّة سماويّة تصرف قلوب الناس إلى صاحبه وتحملهم على تعديله وتكميله والثقة به في جميع أموره ومتصرّفاته ومعه تنزيه صاحبه عن التذلّل وصيانته من رقّ الحاجة ، وإنّما مثل المال لصاحبه كمثل فضل القوّة للإنسان متى احتاج إليها منعت منه وإن استغنى عنها صانها إلى أوان المدافعة عنه ولم يتهيّأ له العمل في إفسادها وإصلاحها وإخلافها . وليس من حقّ نعمة اللّه - عزّ وجلّ - عليه فيه أن يجعل ما جناه منه ذريعة إلى خلافه فيسلّط عليه شهواته المؤذية ورذائله ولذّاته المختلفة وبسطته ، ولكنّه يأنس يحسن مجاورته له يصرف إلى ما اكتنفه من حقوق اللّه سبحانه وتعالى سعيه منه ، فإن لحقه أجله لم يضرّه من صار إليه بعده ، وأمّا التأميل بسرعة خلف ما ينفق منه فإنّما يرجى عند إنفاق ما قاد الحقّ إلى إنفاقه وتكفّلت الشريعة بالمثوبة عليه في محنة تلحق صاحبه فيه أو إعانه لذوي فاقة بشيء منه ، وأمّا ما خرج عن هذا فأولى الأمور بصاحبه أن ينتقل عن انتظار خلفه إلى تجديد التوبة ممّا انفق والإقلاع عنه . واعلم إنّ إنفاق الأموال يحيي موات ما انصرف إليه ويعظم صغيره فإن كان في عائد المملكة كان كالماء المنصبّ إلى الأشجار المثمرة والمزارع الزكيّة التي تخصب بمصلحتها الدّيار وتمرع البلاد ، وإن كان في غير عائدها أشبه ما يضرّ نباته ولا ينفع ريعه فكن كالطبيب الحاذق الذي يضع الدواء حيث يكون الداء يحسن فيه أثرك ويطول به استمتاعك .