ومن وصايا بعض التجّار لولده : يا بنيّ اعلم أنّ رأس المال خير من الربح ، وبحفظ الأصول تثمر الفروع ، وكلّ من خسر ففي طلب الربح كان اجتهاده وأكثر ، ما يستهلك الأموال الطمع ومسامرة الأماني والآمال الكاذبة وائتمان الخونة ومعاملة النسأ بغير جاه ولا رهن ، والاغترار بالمنزوين والمبرطخين وتصديق الممخرقين والقول من غير برهان ولا بيان . فأوّل ما يجب على العاقل اعتماده استشعار القناعة وحسم الطمع والاقتصار من العائلة والنفقات على ما لا مندوحة عنه ولا يحفظ الصحة أقلّ منه ليقلّ شرهه ويضعف حرصه وشدّة اجتهاده لأنّ هذه من الأسباب التي تنقص العقل وتضعف الرأي وتوهن العزم ، ولذلك قيل لا يستعرض شيئا من الأشياء ذو فاقة إليه فإنّ العريان يستوفق كلّ طمر يدفئه ويستره والجائع يستلذّ كلّ طعام يشبعه ، وكذلك الشبق لا يستقبح ما يعن له فإذا فعل ما ذكرته صار مختارا بعد أن كان مضطرّا واعترضته الرغائب فتخيّر أفضلها وأحمدها عاقبة .
واعلم إنّ الإنفاق يشبه المحتال عليك الذي يعطيك القليل لتعتمد عليه في الكثير فيضيعه .
واعلم أنّ الحدّة لا تكاد تهدي إلى صاحبها صديقا فيه خير والشدّة لا تكاد تهدي إلى صاحبها صديق سوء ، وينبغي للعاقل أن يخدم في شبابه لزمان شيخوخته كما يخدم في الصيف لزمن الشتاء قبل هجومه .
واعلم أنّ كساد السّلع أسهل من مقامها في ذمّة المنكسرين والمضطرّين والمحتالين لأنّ المحتال يستميلك بالزيادة في الربح ليحوزها وإنّما يعطيك قولا لا يصلح بفعل قد صحّ له ويعوّضك من حسن محاورته الجري في ميدان المواعيد ، فإن كان الحلف مع هذا سهلا عليه والحياء بعيدا منه احتجت إلى ما يقابل هذا بما يزيل صورتك عند الناس من الصيانة والسّتر ، وليس يعدل هذا
الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها — صفحة 87
مساهمون: جعفر بن علي الدمشقي
ص٨٧