وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان ، وخير الإيقان ما صدر عن توفيق
لما رأيت شبابي هرما بالفقر ، وفقري غنى بالقناعه ، وقناعتي عجزا عند التحصيل ، عدلت إلى الزّمان أطلب إليه مكاني فيه ، وموضعي منه ، فرأيت طرفه عني نابيا ، وعنانه عن رضاي مثنيا ، وجانبه في مرادي خشنا ، وإنفاقي في أسبابه سيئا « 1 » ، والشامت بي على الحدثان متماديا ؛ طمعت في السكوت تجلّدا ، وانتحلت القناعة رياضة ، وتألّفت شارد حرصي متوقفا « 2 » ، وطويت منشور أمري متنزّها ، وجمعت شتيت رجائي ساليا ، وادّرعت الصّبر مستمرا ، ولبست العفاف محمودا ، واتخذت الانقباض صناعة ، وقمت بالعلاء مجتهدا .
هذا بعد أن تصفحّت الناس فوجدتهم « 3 » أحد رجلين : رجلا إن نطق نطق عن غيظ ودمنة « 4 » ، وإن سكت سكت على ضغن وإحنة .
ورجلا إن بذل كدّر بامتنانه بذله ، وإن منع حصّن باحتياله بخله ؛
هامش
( 1 ) في الأصل : « سيّيا » .
( 2 ) متوقفا : متثبتا .
( 3 ) كانت العبارة : « فوجدتهم ( عند كل قريب وبعيد ) أحد » ، فشطب ما بين القوسين .
( 4 ) الدمنة : الحقد المدمن الذي أتى عليه الدهر .