عاد إلى بغداد ، فهي التي عرفها وعرفته ، وإن تطاول إلى الشام ومصر ، فما بها من يجتلي غرّته أو يقبس حكمته ، أو يصبر على جشعه الفاضح وسؤاله الملحّ » .
فها أنا قد شخصت إلى المشرق ، وحظيت عند ملكه ، ووليت البريد له ، وغلبت على مجلسه بالمؤانسة ، وحولي الغاشية والضّفف « 1 » ، بعد ما كنت أعانيه عندك من الشّظف والجعف « 2 » ؛ وما كان كلامك ذاك لي « 3 » إلا إغراء لي بطلب السّعادة العاجلة ونيلها في سهولة ، مع التخلص من الغيظ الذي كنت أجرعه عندك صباح مساء ، والكذب الذي كنت أنّمقه فيك في الجد والهزل ، والخساسة التي كنت أسترها عليك في الصّحو والسّكر ، والتلوّن الذي كنت أحتمله منك في الغضب والرّضا .
هذا والمنالة منك دون ما يمسك الرمق ، والمبذول عليها فوق ما يجب لك بالحقّ ؛ ولولا أني - مع ما أرد ملّته « 4 » من العتب « 5 » عليك -
هامش
( 1 ) الضفف : الحشم والغاشية .
( 2 ) الجعف : القلة .
( 3 ) كذا في الأصل ، وكأنها زائدة .
( 4 ) ملته : حرارته .
( 5 ) العتب : الموجدة .