لا يقلع عن الشرّ وإن قرع في وجهه باللّائمة ، وكشط عرضه بالمذمّة ؛ وهّم هذا في الأخذ والإعطاء ، والإبعاد والإدناء ؛ وكان دأب ذاك الجمع والمنع والتفلسف ليقع اليأس منه ، ويتلذذ بالخيبة عليه ؛ وهذا يقول ويفعل بعض ما يقول متجلّدا ، وكان ذاك لا يهمّ ولا ينوي ولا يظنّ ولا يحلم ، فضلا عن القول المطمع والعمل النافع ؛ وعيب هذا أنه يذوب حتى لا يحصل لك منه شيء ؛ وكان عيب ذاك أنه يجمد حتى لا تنتفع منه بشيء .
وقلت لأبي السلم يوما ، وقد خرج من دار ابن عبّاد :
كيف ترى الناس ؟
فقال : رأيت الداخل ساقطا ، والخارج ساخطا ، وأخذ من قول شبيب « 1 » ؛ فإنه خرج من دار المهلّبي « 2 » وقال : تركت الداخل راجيا ، والخارج راضيا « 3 » .
هامش
( 1 ) شبيب بن شيبة من الخطباء البلغاء ، ذكره الجاحظ في البيان وقال :
إن الناس كانوا يتناقلون خطبه ويحفظونها ، وأورد له فقرا بليغة . البيان 1 / 318 ، 351 .
( 2 ) في البيان 1 / 352 : « وخرج شبيب من دار الخليفة » .
( 3 ) كلمة شبيب هذه في البيان 1 / 352 ، وعيون الأخبار 1 / 91 .