تستنم « 1 » إليه فإنّ الأمر الجديد مهما تكون له مهابة في أنفس أقوام ، وحلاوة في أنفس آخرين ، فيعين قوم بأنفسهم ويعين قوم بما قبلهم ويستتب بذلك الأمر غير طويل ثم تصير الشؤون إلى حقائقها وأصولها فما كان من الأمر بني على غير أركان وثيقة ولا عماد « 2 » محكم أو شك أن يتداعى ويتصدّع « 3 » .
لا تكوننّ نزر « 4 » الكلام والسّلام ، ولا تفرطنّ بالهشاشة « 5 » والبشاشة فإنّ إحداهما من الكبر والأخرى من السّخف . . .
إذا كنت لا تضبط أمرك ولا تصول « 6 » على عدوّك إلا بقوم لست منهم على ثقة من رأي ولا حفاظ « 7 » من نيّة ، فلا تنفعك نافعة حتى تحوّلهم إن استطعت إلى الرأي والأدب الذي بمثله تكون الثقة أو تستبدل بهم إن لم تستطع نقلهم إلى ما تريد .
ولا تغرّنك قوّتك بهم وإنّما أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يهابه من نظر إليه وهو لمركبه أهيب .
* آفات الملك الخلقيّة
ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته .
وليس له أن يكذب لأنّه لا يقدر أحد على استكراهه « 8 » على غير ما يريد .
وليس له أن يبخل لأنّه أقلّ الناس عذّرا في تخوّف الفقر .
وليس له أن يكون حقودا لأنّ خطره قد عظم عن مجازاة كلّ النّاس .
وليتّق أن يكون حلّافا « 9 » فأحقّ النّاس باتقاء الأيمان الملوك ، فإنّما
هامش
( 1 ) استنام إلى : نام وسكن .
( 2 ) العماد : الركن والأساس .
( 3 ) يتصدّع : يتشقق .
( 4 ) نزر الكلام : قليل الكلام .
( 5 ) الهشاشة : التبسّم والخفة وهشّ له : أظهر ارتياحه .
( 6 ) صال يصول : سطا وقهر .
( 7 ) الحفاظ : الحميّة والذبّ عن المحارم .
( 8 ) الاستكراه : الإكراه والإرغام وهو أن يحمل امرؤ على فعل ما لا يريده .
( 9 ) الحلّاف : الكثير الحلف .