يغني النّاس كلّهم فاختصّ « 1 » به ذوي الحقوق .
وأن كرامتك لا تطيق العامّة فتوخّ بها « 2 » أهل الفضائل .
وأنّ ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك - وإن دأبت فيهما « 3 » - وأنّه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه من الدّعة « 4 » ، فأحسن قسمتها بين دعتك وعملك .
واعلم أنّك ما شغلت من رأيك بغير المهمّ ازرى « 5 » بالمهم .
وما صرفت من مالك بالباطل فقدته حين تريده للحقّ .
وما عدلت به « 6 » من كرامتك إلى أهل النقص أضرّ بك في العجز عن أهل الفضل ، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة ، أزرى بك في الحاجة .
* سوء عاقبة الغضب
اعلم أنّ من النّاس ناسا كثيرا ، جعل من أحدهم الغضب إذا غضب أن يحمله ذلك على الكلوح « 7 » والتقطيب في وجه غير من أغضبه ، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له والعقوبة لمن لم يكن يهمّ « 8 » بعقوبته وسوء المعاقبة باليد واللسان ، لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك .
ثمّ يبلغ به الرّضى إذا رضي ، أن يتبرّع بالأمر ذي الخطر ، لمن ليس بمنزلة ذلك عنده .
ويعطي من لم يكن أعطاه ويكرم من لا حقّ له ولا مودّة .
فاحذر هذا الباب كلّه فإنه ليس أحد أسوأ حالا من أهل القدرة الذين
هامش
( 1 ) اختصّ به ذوي الحقوق : جعله خاصّا به .
( 2 ) توخّى ( ه ) : تعمّده دون سواه .
( 3 ) دأب في العمل : جدّ وتعب .
( 4 ) الدّعة : السكون والطمأنينة ، من ودع يدع دعة أي سكن .
( 5 ) أزرى به : احتقره .
( 6 ) عدل من . . إلى : مال .
( 7 ) الكلوح : مصدر كلح كلوحا وكلاحا وجهه : أي عبس وتكشّر .
( 8 ) همّ بالأمر : عزم على القيام به .