تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
لوعة الإنسان المحروم وفي إيمان الصدّيق الصفي :
« رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ، وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ - رَبِّ - شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ، وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا »
« 1 » . وإن البيان لا يرقى هنا إلى وصف العذوبة التي تنتهي في فاصلة كل آية بيائها المشدّدة وتنوينها المحوّل عند الوقف ألفا لينة كأنها في الشعر ألف الإطلاق : فهذه الألف اللينة الرخيّة المنسابة تناسقت بها « شقيا - وليا - رضيا » مع عبد اللّه زكريا ، ينادي ربّه نداء خفيا ! ! ولقد استشعرنا هذا الجو الغنائي كلّه ونحن نتصور نبيّا يبتهل وحده في خلوة مع اللّه ، وكدنا نصغي إلى ألحانه الخفية تصّاعد في السماء ، فكيف بنا لو تصورنا جماعة من الصدّيقين الصالحين وصفهم اللّه بأنهم من أولي الألباب « الذين
يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
- كيف بنا لو تصورنا هؤلاء يشتركون ذكرانا وإناثا ، شبانا وشيبا ، بأصوات رخية متناسقة تصعد معا وتهبط معا وهي تجأر إلى اللّه وتنشد هذا النشيد الفخم الجليل :
« رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ . رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ! رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا . رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ . رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ، وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
« 2 » . إن في تكرار عبارة ( ربنا ) لما يلين القلب ، ويبعث فيه نداوة الإيمان ، وإن في الوقوف بالسكون على الراء المذلقة المسبوقة بهذه الألف اللينة لما يعين على الترخيم والترنيم ، ويعوّض في الأسماع أحلى ضربات الوتر على أعذب العيدان !
هامش
( 1 ) أوائل سورة مريم . وقارن ببديع القرآن ( لابن أبي الإصبع ) 20 . ( 2 ) سورة آل عمران 191 - 194 .