تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
أرأيت لونا أزهى من نضرة الوجوه السعيدة الناظرة إلى اللّه ، ولونا أشدّ تجهما من سواد الوجوه الشقية الكالحة الباسرة في قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ
« 1 » ؟ لقد استقلت في لوحة السعداء لفظة « ناضرة » بتصوير أزهى لون وأبهاه ، كما استقلت في لوحة الأشقياء لفظة « باسرة » برسم أمقت لون وأنكاه . وحين تتسمع همس السين المكررة تكاد تستشف نعومة ظلها مثلما تستريح إلى خفة وقعها في قوله :
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوارِ الْكُنَّسِ . وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
« 2 » . بينما تقع الرهبة في صدرك وأنت تسمع لاهثا مكروبا صوت الدال المنذرة المتوعدة مسبوقة بالياء المشبعة المديدة في لفظة « تحيد » بدلا من « تنحرف » أو « تبتعد » في قوله :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ : ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
« 3 » . وتقرأ قوله تعالى
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ
« 4 » ، فلا ترى في المعجم غير كلمة « زحزح » تصور مشهد الإبعاد والتنحية بكل ما يقع في هذا المشهد من أصوات ، وما يصاحبه من ذعر الذي يمر بحسيس النار ويسمعه ويكاد يصلاه ! وليأخذنك من الغيظ مثل ما يأخذ جهنم حين تتسمّع لفظ « تميز » من قوله تعالى
تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
« 5 » ، وليستولين عليك القلق وأنت تكرر هاء السكت في أكثر فواصل سورة الحاقة ، فتنسى وأنت تتلو قوله تعالى
ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
« 6 » أن الذي هلك سلطانه من أوتي
هامش
( 1 ) سورة القيامة 22 - 25 . ( 2 ) سورة التكوير 15 - 18 . ( 3 ) سورة ق 19 . ( 4 ) سورة آل عمران 185 . وقارن بالكشاف 1 / 235 . ( 5 ) سورة الملك 8 . ( 6 ) سورة الحاقة 29 .