تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
كتابه بشماله لا أنت ولا سلطانك ، فتظل من الآيات في قلق شديد . وما أحسب شفتيك إلا منقبضتين استقباحا واستهجانا لحال الكافر الذي يتجرع صديده ولا يكاد يسيغه ، في قوله
وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ . يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
« 1 » فتستشعر في لفظ « التجرع » ثقلا وبطءا يدعوان إلى التقزز والكراهية ! ولا أحسبك إلا مستشعرا عنف لفظة الكبكبة في قوله
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ
« 2 » حتى لتكاد تتصور أولئك المجرمين يكبون على وجوههم أو على مناخرهم ، ويلقون إلقاء المهملين ، فلا يقيم أحد لهم وزنا ! فإن يك هذا كله في اللفظة المفردة ، تعبّر مستقلة عن لوحة كاملة ، فكيف بالآية التي تتناسق في جوها الكلمات ، أو في في السورة التي تنسجم حول فكرتها جميع الآيات ! من ذا الذي يقرأ قوله تعالى :
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ
« 3 » ، ثم لا يتخيل في جو هذه الآية وحدها الشواظ الناري يتطاير ، والنحاس الملتهب يذوب فوق رؤوس المجرمين وهم يحاولون النفاذ من أقطار السماوات ! ومن ذا الذي يقرأ سورة كاملة من سور القرآن - طويلة أو قصيرة ومكية أو مدنية - ثم لا يوقظ نسقها الرائع قلبه ، ويهز إيقاعها العجيب مشاعره ؟ إن المرء ليحار إذا قرأ مثلا سورة « الرحمن » ، فيتساءل : هل انبعث إيقاعها الرخي المنساب من مطلعها أم من ختامها أم من خلال آياتها ؟ وإذا هو يقطع بأن النغم يسري فيها كلها : في فواصلها ومقاطعها ، وفي ألفاظها وحروفها ، وفي انسياقها وانسيابها ، حتى لو انتقي على حدة مقطع واحد من
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم 17 . وقارن بالكشاف 2 / 297 . ( 2 ) سورة الشعراء 94 . ( 3 ) سورة الرحمن 35 . وقارن بابن أبي الإصبع ( بديع القرآن ) 222 .