تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ولئن كان في موقفي الدعائين هذين نداوة ولين ، ففي بعض مواقف الدعاء القرآنية الأخرى صخب رهيب : ها هو ذا نوح عليه السلام يدأب ليلا نهارا على دعوة قومه إلى الحق ، ويصر على نصحهم سرا وعلانية ، وهم يلجّون في كفرهم وعنادهم ويفرون من الهدى فرارا ، ولا يزدادون إلا ضلالا واستكبارا . فما على نوح - وقد أيس منهم - إلا أن يتملكه الغيظ ويمتلئ فوه بكلمات الدعاء الثائرة الغضبى تنطلق في الوجوه مديدة مجلجلة ، بموسيقاها الرهيبة وإيقاعها العنيف . وما أظنك تتخيل الجبال إلا دكا ، والسماء إلا متجهمة عابسة ، والأرض إلا مهتزة مزلزلة ، والبحار إلا هائجة ثائرة ، حين دعا نوح على قومه بالهلاك والتبار فقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً . رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ، وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
« 1 » . أما الحناجر الكظيمة المكبوتة التي يتركها القرآن في بعض مشاهده تطلق أصواتها الحبيسة - بكل كربها وضيقها وبحّتها وحشرجتها - فهي حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير . ولنا الآن أن نتمثّل شرذمة من أولئك المجرمين تلفح وجوههم النار ، فيتحسرون ويحاولون التنفيس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المتهدجة كأنهم بها يتخففون من أثقال تنقض ظهورهم ويفرّغون عن طريقها ما يعانون من عذاب أليم : وإذا هم يوم الدين يدعون ربهم دعاء التائبين النادمين ويقولون :
رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا . رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً »
« 2 » . ولو شئنا أن نستعرض « نماذج » أخرى سوى ما سبق - لإبراز الإيقاع القرآني العجيب في مواقف الدعاء - لطال بنا الحديث وخرجنا عن الإيماءة العجلي إلى البحث المفصل الدقيق ، مع أن التوسع في هذا الموضوع لم يكن
هامش
( 1 ) الآيات الأخيرة من سورة نوح . ( 2 ) سورة الأحزاب 67 - 68 .