تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
العام ، أو التعبير المجمل ، الذي برع الأقدمون في تفريعه وتبويبه وتوفير الشواهد عليه ، وفهموه من روح التركيب في كل نص على حدة ، تستوي في ذلك مباحثهم عن المجاز العام الذي ليست علاقته المشابهة ، وعن الكناية وأنواع الرمز بها ، وعن الإيجاز والمساواة والإطناب ، وعن الخبر والإنشاء ، وما شابه ذلك . ولقد يتيسر لأحدنا لدى عرض تلك المباحث وشواهدها ذوق خاص يودّ لو يضيفه إلى المفهومات القديمة ، ولكن ذلك لن يغيّر من طبيعة الموضوع شيئا ، لأن علماءنا السالفين كانوا في ذلك كله أقرب منا إلى النبع وأقدر منا على تتبّع خصائص الأسلوب العربي ، ولا سيما الأسلوب القرآني . فما يضيفه أحدنا إلى ملاحظاتهم وتوجيهاتهم ليس إلا قبسا من نارهم وشعاعا من نورهم . فلنسمع إليهم يحدثونا عن مجاز القرآن ولنستجد ما استجادوه من ألوان التعبير المجازي ، فنحن معهم أمام ما سموه بالمجاز العقلي الذي علاقته المشابهة ، وهو واقع في التركيب ، وأمام ما سموه بالمجاز اللغوي الذي يستعمل فيه اللفظ في غير ما وضع له ، وهو واقع في المفرد . ولن نخوض الآن معهم في أقسام كل من المجازين ، فلتفصيل ذلك نرجع إلى كتب البلاغة ، وإنما نتابعهم في بعض شواهدهم ، فمن المجاز العقلي ما يكون أحد طرفيه حقيقيا دون الآخر كقوله تعالى
فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
« 1 » قالوا في توضيح ذلك : « فاسم الأم « الهاوية » مجاز ، أي كما أن الأم كافلة لولدها وملجأ له ، كذلك النار للكافرين كافلة ومأوى ومرجع » « 2 » ، وهذا فهم سديد ، خصوصا إذا وقفنا عند هذا التركيب وحده ولم نربطه بالنسق القرآني الذي صاحبه ، فإن ربطناه به وقرأنا الآيات كلها
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ . وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ؟ نارٌ حامِيَةٌ
« 3 » تجلى لنا من مجموع المشهد معنى آخر لطيف ، فالأعمال المعنويّة جسّمت ووزنت بموازين حسية ، فإذا هي خفاف ترتفع بها كفة الموازين ،
هامش
( 1 ) سورة القارعة 9 . ( 2 ) الاتقان 2 / 60 . ( 3 ) سورة القارعة 8 - 11 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 328 | صبحي الصالح