تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
يستشعروا جمال هذا الكتاب الكريم ، وإنما نريد أن نقول : إن استشعارهم ذلك الجمال كان بطبيعة الحال متأثرا بمنهجهم الذي يجعل للقاعدة البلاغيّة المكان الأول ، ولكنّ للتقعيد مساوئ كثيرة أهمّها أنّ جفاف العاطفة يفقد المشهد المرسوم قيمته التصويرية الفنية . ولذلك نجد لزاما علينا أن نشيد ببعض التحليلات الموفقة التي تبرز جمال الصورة القرآنية عند علمائنا السالفين ، فالسيوطي لدى تفسير قوله تعالى
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
« 1 » ينقل خلاصة آراء البلاغيين في الاستعاضة عن « بلّغ » ب « اصدع » ، ويكاد تعقيبه يشعرك بأنه أدرك أن الاستعارة هنا ضرب من التجسيم مع التخييل لشيء معنوي مجرد ، فهو يقول : « استعير الصدع - وهو كسر الزجاجة ، وهو محسوس - للتبليغ وهو معقول ، والجامع التأثير ، وهو أبلغ من « بلّغ » وإن كان بمعناه لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ ، فقد لا يؤثر التبليغ ، والصدع يؤثر جزما » « 2 » ، وكأن السيوطي يقول بتعبير آخر : إن ما أمر به عليه السلام جسم فأصبح مادة سريعة العطب قابلة للشق والكسر ، فليصدعها بقوة وليخيّل إلى قارئ هذه العبارة أنّه يسمع حركة هذه المادة المصدوعة ، فذلك أدلّ على نفاذ تبليغه إلى القلوب من أية صيغة أخرى . ولك أن تستحسن أيضا تذوقه جمال هذه الاستعارة في قوله تعالى :
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ
« 3 » فإنه يقول : « شبه ميلانه للسقوط بانحراف الحي ، فأثبت له الإرادة التي هي من خواص العقلاء » « 4 » . ومن ذلك قوله في
هامش
( 1 ) سورة الحج 94 . ( 2 ) الاتقان 2 / 75 ( وقارن بمجازات القرآن للشريف الرضي ص 189 ) وينقل السيوطي في تفسير هذه الآية عن ابن أبي الأصبع أن معناها صرح بجميع ما أوحي إليك ، وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق ذلك على بعض القلوب فانصدعت ، والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من القبض والانبساط ، ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار ، كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة » الاتقان ج 2 ص 92 . ( 3 ) سورة الكهف 77 . ( 4 ) الاتقان 2 / 76 وقارن بالبرهان 2 / 291 ، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة 10 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 326 | صبحي الصالح