تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
إشعاع ، يظل غامضا بهذا التفسير ، ولكنّ جمال النصّ يكاد ينطق بالإفصاح عن نفسه حين نتخيل في الآية الحق - وهو معنى مجرد - أشبه بالجسم القوي العنيف الذي ينفذ في جسم الباطل الضعيف الخفيف ، فيرزح الباطل تحت وطأة الحق الشديدة التي تدمغه وتكاد تلصقه بالتراب ، وتزهق روحه . وهكذا يجتمع في هذا المثل التجسيم والتشخيص والتخييل ، أما التجسيم ففي تصوير الحق بالقذيفة الثقيلة ، وأما التشخيص ففي دمغ الحق الباطل وإزهاقه إياه ، وأما التخييل ففي تصور نوع الثقل الذي تحدثه حركة القذف ثم الدمغ ثم الإزهاق ، فإنها أصوات شداد توشك أن تكون صدى لعظام الباطل وهي تتحطّم وتقعقع « 1 » . وإذا قرأ السيوطي قوله تعالى في وصف جهنم :
إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ، تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
« 2 » لم يجد في هذا المشهد المروّع إلا استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي ، مع أنّ تشخيص جهنم في هذه الآية هو الذي يجعل المشهد حافلا بالحياة والحركة ، فهي مغيظة محنقة تحاول أن تكظم غيظها حين ألقي إليها المجرمون ، ولكأنّ منظرهم البشع كان أشدّ من أن تتحمله وتصبر عليه ، فتلقتهم بألسنة لهبها وهي تئز وتشهق ، وبمهلها وقطرانها وهي تغلي وتفور ، حتى كاد صدرها ينفجر حقدا عليهم ، ومقتا لوجوههم السود . فليس في الصورة استعارة معقول لمحسوس فقط ، وإنما استعيرت لجهنم شخصيّة آدمية ، لها انفعالات وجدانية ، وخلجات عاطفية ، فهي تشهق شهيق الباكين ، وهي تغضب وتثور ، وهي ذات نفس حادة الشعور « 3 » . لسنا ندعى أن تحليلات الأقدمين لمشاهد القرآن الفنية لم تكن تتيح لهم أن
هامش
( 1 ) ولقد أصاب الشريف الرضي حين لاحظ أن « الدمغ إنما يكون عن وقوع الأشياء الثقال ، وعلى طريق الغلبة والاستعلاء . فكأن الحق أصاب دماغ الباطل فأهلكه » مجازات القرآن 228 . ( 2 ) سورة الملك 7 - 8 . ( 3 ) ولقد تملى الشريف الرضي جمال هذه الصورة حين رأى أن اللّه سبحانه « وصف النار بصفة المغيظ الغضبان ، الذي من شأنه أن يبالغ في الانتقام ، ويتجاوز الغايات في الإيقاع والإيلام » مجازات القرآن ص 339 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 325 | صبحي الصالح