تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
وعفتها الكاملة « 1 » ، وكان النفخ في جيب درعها - كما ورد - تأكيدا لهذا المعنى الرمزي الذي يجمع إلى أدب التعبير إشادة لا نظير لها بعفّة السيدة مريم التي فضلها اللّه على نساء العالمين . وتستخدم الكناية في القرآن لاختصار مقدمات لا أهمية لها بالتنبيه على النتيجة الحاسمة التي يتقرر فيها المصير ، مثاله
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
« 2 » : فهذه كناية عن أنه جهنمي « 3 » وأن مصيره إلى اللهب
حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ
« 4 » فهي تسعى بالنميمة ، ومصيرها أن تكون حطبا لجهنم « 5 » ، وأن تكون مغلولة اليد . وواضح أن الكناية هنا لخصت في ومضة واحدة المصير الذي يراد تصويره . ولقد بلغ بالقرآن حرصه على الرمز والإيماء أن يكني عن الحقائق الدينية الكبرى المتعلقة بذات اللّه وصفاته ، بأسلوب تزيده المبالغة حسنا ، لأنّه يقرّب الفكرة المجرّدة من الصورة المحسّة ، فتستحيل المبالغة فيه بلاغة ، ويصير التهويل فيه تخييلا . فاللّه يقول في سعة جوده وكرمه :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
« 6 » ، ويؤثر للتعبير عن هذا المعنى اللفظ نفسه الذي يكنى به عن إسراف العبد وتبذيره في قوله
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
« 7 » أي لا تبالغ في الإنفاق والعطاء كمن يبسط يده فلا يردها عن الإنفاق شيء . وفي هذا الجو الرمزي نستطيع أن نتملّى جمال الكناية عن الشؤون الغيبية « بالمفاتح » :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ
« 8 » وجمال الكناية عن أزليّة الأرزاق والمقدرات بالخزائن :
هامش
( 1 ) الاتقان 2 / 79 وانظر البرهان 2 / 305 - 306 . ( 2 ) سورة المسد 1 . ( 3 ) البرهان 2 / 308 . ( 4 ) سورة المسد 4 - 5 . ( 5 ) البرهان 2 / 308 . ( 6 ) سورة المائدة 64 ( وانظر البرهان 2 / 308 والاتقان 2 / 79 ) . ( 7 ) سورة الإسراء 29 . ( 8 ) سورة الأنعام 59 ( وانظر مجازات القرآن 136 ) .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 331 | صبحي الصالح