« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
« 1 » : « شبّه استظهار العبد باللّه ووثوقه بحمايته ، والنجاة من المكاره ، باستمساك الواقع في مهواة بحبل وثيق مدلى من مكان مرتفع يأمن انقطاعه » . ومن ذلك قوله في
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ
« 2 » : « أصل الموج حركة الماء ، فاستعمل في حركتهم على سبيل الاستعارة ، والجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة » « 3 » .
والخلاصة ، أنّنا لا نريد أن نستبدل التجسيم والتشخيص والتخييل بعبارات البلاغيين القدامى « التشبيه والاستعارة وما شابه ذلك » لأنّ هذه التسميات المختلفة شكليات لا تمسّ جوهر الموضوع في شيء ، وإنما نريد ألا نغفل عن الحياة والحركة والتناسق الفني في المشاهد القرآنية ، فإنها أوضح من أن تكتم ، وأقوى من أن تهمل ، وبعد ذلك فلنعبر عن الصورة المحسة أو المتخيلة بالتعبير الذي نؤثره ، فإما يكون من الاصطلاحات القديمة التي تبثّ فيها الحياة وتنفخ فيها الروح ، وإما أن يكون بألفاظنا الحديثة السهلة التي تنفر من التعقيد وتأبى كلفة التقعيد ، وتصور الحياة بريشة الحياة نفسها وبأصباغها الزاهية وألوانها البديعة .
المجاز والكناية
لقد استدعى بحثنا عن التشبيه والاستعارة أن نجري شيئا من التعديل في تصورنا طريقة القرآن في التعبير ، كما كان يفهمها علماؤنا السالفون رضي اللّه عنهم وأرضاهم ، ونفعنا بعلومهم . وكان هذا التعديل الطفيف ضروريا بالنسبة إلى التشبيه والاستعارة لقيام أكثر الصور المفصلة على أحدهما ، وتركبها منهما . فغير هذين البابين قلما يحوجنا إلى تعديل في تصوره أو فهمه ، فنستطيع أن ندرسه على ما نجده في ثنايا الكتب القديمة ، لأنه يدخل في التصوير
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 103 وانظر الاتقان 2 / 76 .
( 2 ) سورة الكهف 100 .
( 3 ) الاتقان 2 / 74 وقارن بمجازات القرآن 217 .