تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
الكواذب في وقت كلمح البصر بل هو أقرب ،
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
وانظر فما من زخرف ، وانظر فما من زينة ، ثم انظر فالناس المغرورون أعجز من أن يتصوروا ولو بالخيال ربوعهم ومغانيهم في تلك الأرض التي أصبح نباتها حصيدا هشيما تذروه الرياح
« حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا . أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ . كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »
. ويذكر السيوطي بعد ذلك في الباب نفسه ما يتعلق بالاستعارة ، ويقسمها باعتبار أركانها إلى خمسة أقسام ، ويستشهد بوفرة من الأمثلة على كل قسم منها ، فإذا مرّ بقوله تعالى :
وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
« 1 » جعل ذلك من باب استعارة محسوس لمحسوس بوجه محسوس ، وأوضح ذلك بقوله « استعير خروج النفس شيئا فشيئا لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلا قليلا ، بجامع التتابع على طريق التدريج ، وكل ذلك محسوس » « 2 » . وقد فاته أن ينبه هنا على ظاهرة التشخيص ، وسمتها في القرآن واضحة كل الوضوح ، فالحياة تخلع في هذه الآية على الصبح ، حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس ، بل إنسانا ذا عواطف وخلجات نفسية تشرق الحياة بإشراقة من ثغره المنفرج عن ابتسامة وديعة وهو يتنفس بهدوء . وإذا تلا قوله تعالى
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ ، فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
« 3 » لم ير في ذلك إلا ضربا من استعارة محسوس لمعقول بوجه عقلي « فالقذف والدمغ مستعاران وهما محسوسان ، والحق والباطل مستعار لهما وهما معقولان » « 4 » : فما في التعبير بالقذف من إيحاء ، وبالدفع من
هامش
( 1 ) سورة التكوير 18 . ( 2 ) الاتقان 2 / 74 وأجمل من هذا قول الشريف الرضي ( في مجازات القرآن 360 ) : « والتنفس هنا عبارة عن خروج ضوء الصبح من عموم غسق الليل ، فكأنه متنفس من كرب ، أو متروح من هم » . ( 3 ) سورة الأنبياء 18 . ( 4 ) الاتقان 2 / 74 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 324 | صبحي الصالح