القرآني في كل مقطع منه ومشهد ، سنستعير بعض عناوين « الإتقان » وبعض الشواهد القرآنية مع تعقيب السيوطي عليها ، ثم نتبعها بطريقة فهمنا لها وتملّينا مواطن الجمال فيها ، ولن يضيرنا أن تكون عناوين أبحاثنا مشتركة ، لأنّ الاصطلاحات الخارجية الشكلية لا تغير شيئا من روحانية القرآن الداخلية العميقة .
تشبيه القرآن واستعارته
يذكر السيوطي في هذا الباب تعريف التشبيه وأدواته وأقسامه باعتبار طرفيه وباعتبار وجهه ، حتى إذا قسمه باعتبار وجهه إلى مفرد ومركب قال :
« والمركب أن ينتزع وجه الشبه من أمور مجموع بعضها إلى بعض ، كقوله :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
« 1 » فالتشبيه مركب من أحوال الحمار ، وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل التعب في استصحابه ، وقوله :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
إلى قوله
لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
« 2 » :
فإن فيه عشر جمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه ، إذ المقصود تشبيه حال الدنيا في سرعة تقضيها ، وانقراض نعيمها ، واغترار الناس بها ، بحال ماء نزل من السماء ، وأنبت أنواع العشب ، وزين بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة ، حتى إذا طمع أهلها فيها وظنّوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس اللّه فجاءة ، فكأنها لم تكن بالأمس » « 3 » .
وإنه ليعنينا أن نقف قليلا عند تشبيه الحياة الدنيا ، فلقد أصاب السيوطي في استخلاص وجه الشبه ، وتقسيمه هذا التركيب القرآني إلى عشر جمل ،
هامش
( 1 ) سورة الجمعة 5 .
( 2 ) سورة يونس 24 .
( 3 ) الاتقان 2 / 70 - 71 وفي ( تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي ص 155 ) :
« أخذت الأرض زخرفها » : أي لبست زينتها بألوان الأزهار ، وأصابيغ الرياض كما يقال :
أخذت المرأة قناعها .