الألوان من الغموض إلا مقصودة في هذا السياق ، فإن حديث القرآن عن ذي القرنين لا يشبه - ولا ينبغي أن يشبه - حديث كتاب في السيرة عن الفتوحات التي أتمها فاتح عظيم ، وإنما يرسم القرآن - في غضون هذه الرحلات الثلاث - ملامح إنسان شديد الصلة باللّه ، لم يكن سلطانه بقوته الشخصية بل مكّن اللّه له في الأرض ، وآتاه من كل شيء سببا ، وهتف به أو ألهمه أو أوحى إليه - كما يريد - في الملمات ليوجهه أفضل الوجهات ، حتى قال له عند العين الحمئة :
« يا ذا القرنين ، إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا » .
وتبدو صلته باللّه شديدة وثقى في قوله للقوم - عند بناء السد - : « ما مكّني فيه ربي خير فأعينوني » ثم قوله عند انتهائه من هذا البناء : « هذا رحمة من ربي ، فإذا جاء وعد ربّي جعله دكّاء ، وكان وعد ربي حقا » « 1 » .
وهكذا اختيرت تلك القصص الثلاث في سورة « الكهف » لمعالجة شؤون الغيب ، وردها جميعا إلى الذي يحفها بالأسرار ، ولا يميط عنها اللثام إلا بمقدار ، ولا يأذن لأحد برؤيتها إلا من وراء ستار .
وإذا صححنا الرواية التي تزعم أن أهل مكة بعثوا النضر بن الحارث وعقبة ابن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة لالتماس أسئلة منهم تحرج محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، وأن أولئك الأحبار أغروا رسولي قريش بسؤال النبي الكريم « عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان لهم من حديث عجيب ، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه » « 2 » ، تجلى لنا في هذه السورة عمق الدرس القرآني الذي اتجه إلى المؤمنين ينهاهم عن الرجم بالغيب ، ويحذرهم من
هامش
( 1 ) ومع ذلك خلط بعض جهلة المفسرين بين ذي القرنين المتدين المؤمن هذا والإسكندر المقدوني الوثني المشهور . وكان في خلطهم مادة للتعليق في أبحاث بعض المستشرقين . وانظر على سبيل المثال :decourdemanche » j . a . « la legende d'alexandre chez les musulmans , dans la revue de l'histoire des religions , vi 1882 , 98 .( 2 ) وقارن بتفسير ابن كثير 3 / 71 .