وبتدخل موسى مرة ثالثة في المراجعة والاستفسار أضاع آخر فرصة له في مصاحبة الرجل ، وأنشأ يستمع في عجب شديد لتأويل العبد الصالح لمواقفه الغامضة بكل مفاجآتها وأسرارها .
أما خرقه للسفينة فكان سببا لسلامتها وصيانتها لمساكين يعملون في البحر ، إذ كان ملكهم في تلك الفترة ظالما يغتصب السفن الصالحة ، فنجت هذه بعيبها من الاغتصاب .
وأما قتله للغلام - مع أنه لم يقترف ما يوجب قتله شرعا - فكان رحمة بأبويه المؤمنين ، إذ أعلم اللّه العبد الصالح أن هذا الغلام لو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا ، فقد طبع كافرا « 1 » ، ولولا اطلاع اللّه عبده الصالح على حقيقة هذا الأمر الغيبي المحجّب لما كان له ولا لسواه قتل نفس زكيّة بغير حق .
وأما إقامته الجدار بلا مقابل فلم تكن خدمة لأهل القرية البخلاء ، وإنما كانت فرصة لصيانة كنز تحت الجدار ليتيمين صغيرين خبأ لهما أبوهما ذاك الكنز ليستخرجاه من تحت الجدار متى بلغا أشدهما ، فلما رآه العبد الصالح ينقض أقامه بإذن اللّه لئلا ينكشف أمره لأهل المدينة فينتزعوا ملكيته من أيدي الصغيرين اليتيمين .
وبهذا التأويل لم يزعم العبد الصالح لنفسه علم الغيب ، بل رد إلى اللّه حكمة ما صنع ، واعترف بعجزه المطلق عن فعل أمر لم يأذن به اللّه ، وكان رمزا للعلم الغيبي اللدني الذي يتمثل - بإرادة اللّه - في شخص رجل من الناس ، ليس بالنبي المعروف ولا الرسول المشهور ، فقد سكت حتى عن اسمه القرآن ! « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر أحكام أهل الذمة ( لابن القيم ) بتحقيقنا 531 ، وقارن أيضا بشفاء العليل له أيضا 284 .
( 2 ) ولكن المفسرين لم يسكتوا عن اسمه ، فقد سموه « الخضر » ، وبنوا هذه التسمية على روايات تناقلها الناس جيلا فجيلا بعد أن ضخموا أحداثها . وللمستشرق فنسنك بحث طريف حول تضخيم قصة الخضر عند العامة .wensinck , encycl . de l'islam , ii , 912 .