الجدل العقيم ، ويصل قلوبهم بربهم علام الغيوب : فالموضوع الذي هدفت إليه السورة هو - بالمقام الأول - بناء العقيدة بناء سليما في ذات اللّه ، وفي شؤون الغيب الموكولة إلى علم اللّه .
وفي السورة بعد ذلك ومضات سريعة تخللت بعض مقاطعها مصغّرة للقيم المادية « 1 » ، معرضة بفناء الدنيا وسرعة زوالها « 2 » ، داعية إلى صبر الأنفس مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، مؤكّدة أن الاعتزاز الحقيقي إنما يكون بالإيمان والتقوى « 3 » ، وأن الكافرين بلقاء ربهم هم الأخسرون أعمالا « 4 » .
ولا ريب أن تخلل السورة بهذه الومضات السريعة يتناسق مع محورها الأساسي الذي رأيناه يدور حول بناء العقيدة ، فلا بد في هذا البناء من تصحيح النظر إلى قيم الأشياء ومقاييس الحياة .
ومع سورة « إبراهيم » ننتهي إلى الحلقة الأخيرة المختارة من سور المرحلة المكية الختاميّة ، فيخيل إلينا أنّنا نواجه فيها تكرارا لحقائق شديدة الشبه بما عرفناه في تحليل السور المكية الماضية ، ولا سيما في أواخر المرحلة الثانية ، وأن عيوننا تقع فيها أيضا على مشاهد مكرورة كأنها ظلال المشاهد السابقات :
هامش
( 1 ) وقد صورت هذا أبلغ التصوير آيات الرجلين والجنتين ، فقد قال الفقير المؤمن لصاحب الجنتين المغرور « إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا . فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلفا » . وانتهى الأمر بالجنة المثمرة المحفوفة بالنخل والزرع أن تهشمت وخوت على عروشها . انظر الكشاف 2 / 389 .
( 2 ) كما في المثل المضروب للحياة الدنيا في قوله تعالى :« وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ »الآيات وراجع تفسيرها في الكشاف 2 / 392 .
( 3 ) وأوضح مثال لذلك في السورة قوله تعالى :« وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ »الآية ، ففي هذا الخطاب الرباني أمر بمجالسة أهل الذكر وتعليمهم الخير ، لأن دعوة الحق إنما تقوم على أمثالهم ، « سواء أكانوا فقراء أم أغنياء ، وأقوياء أم ضعفاء » . قارن قارن بتفسير ابن كثير 3 / 80 .
( 4 ) في تأويل قوله تعالىقُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاًالآيات ، يقول الطبري 16 / 28 : « عنى بقوله هذا كل عامل عمل يحسبه فيه مصيبا ، وأنه للّه بفعله ذلك مطيع مرض ، وهو بفعله ذلك للّه مسخط ، وعن طريق أهل الإيمان به جائر » .