ولو مضى حقبا حتى يصل إليه . ويريد اللّه له أن يلتقي بالعبد الصالح فينسيه حوتا كان قد أعدّه للأكل فتاه ، ولعله شواه ، لكن هذا الحوت المشوي دبّت فيه الحياة مرة أخرى فسرب في البحر واتخذ سبيله فيه . وعجب فتى موسى للمفاجأة الغريبة . أما موسى فلم يعجب بل أدرك أن المكان الذي نسيا فيه حوتهما هو الموعد المحدد للقاء العبد الصالح ، فعادا على آثارهما فوجدا الرجل الذي كانا يبحثان عنه « 1 » .
وفي المشهد الثاني يختفي فتى موسى ، وينفرد نبي اللّه موسى بحوار مع العبد الصالح ذي العلم اللدني . ويلتمس النبي الكريم من الولي الصفي أن يصاحبه في رحلته ويتعلم من لدنه شيئا من حقائق الغيب التي كشف اللّه له حجابها فيشترط العبد الصالح على نبي اللّه موسى الصبر والطاعة من غير تردد ولا استفسار ولا استنكار . ويركبان سفينة ، فإذا العبد الصالح يخرقها بمن فيها حين أمست في ثبج البحر ، فغلبت موسى طبيعته وأنكر على رجل العجائب فعلته . وعجب له كيف يغرق السفينة فيعرض ركابها للهلاك . ويشتدّ الحواريين الرجلين ويعاهد موسى ذلك العبد الصالح على أن يجنبه الإرهاق بكثرة المراجعة والتساؤل .
وفي المشهد الثالث يلتقي الرجلان في طريقهما بغلام ، فيقتله العبد الصالح ، فيثور موسى في وجهه ، ويعترض على قتله النفس الزكية الطاهرة قتلا عمدا ، ويذكره رجل العجائب بعهده ، فيعتذر موسى كرة أخرى وينوي ألا يسأل العبد الصالح شيئا .
وفي المشهد الرابع يدخلان مدينة بخيلة لا تؤوي ضيفا ولا تطعم جائعا ، فيجدان فيها جدارا يوشك أن ينقض ، فيقيمه الرجل الغريب دون مقابل مع أنهما كانا جائعين يستطعمان ، فما لرجل الأسرار لا يطلب أجرا يأكلان به من أهل القرية البخلاء » « 2 » ؟
هامش
( 1 ) قارن بالكشاف 2 / 396 .
( 2 ) قال ابن كثير في تفسيره 3 / 98 تأويلا لقوله تعالى على لسان موسى ( قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) : أي لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجانا .