تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
الآيات عن موسى ، وإخراجه قومه من الظلمات إلى النور ، وتذكيره إياهم بنجاتهم من آل فرعون « 1 » ، إلا ليكون رمزا لوحدة الرسل التي نادى بها إبراهيم ، لذلك لم يلبث السياق أن انتقل إلى حقيقة الرسالة وحقيقة دعوتها إلى الاعتقاد باللّه الواحد ، على لسان نوح وعاد وثمود : ففي أزمنة مختلفة ومواضع متعددة جاء أولئك الرسل جميعا بأصول متماثلة بينة لا تخفى حقائقها على أولي القلوب والأبصار . وكل رسول من أولئك المصطفين الأخيار كان يثير انتباه قومه إلى شكهم المريب كلما تعاموا عن آيات اللّه في السماوات والأرض ، وكل رسول منهم كان يقرر بشريّته ولا ينكرها قائلا لقومه المكابرين : « إن نحن إلا بشر مثلكم ، ولكن اللّه يمنّ على من يشاء من عباده » « 2 » ، وما كان فيهم إلا مواجه للطغيان ، صبور على الاضطهاد ، متوكل على اللّه ، كأن كلا منهم صورة مكرورة من أبيه إبراهيم : به يقتدي ، وعلى آثاره يسير ، وهكذا برزت وحدة الرسالة ونبتت فكرة التوحيد في ظلال من إيمان إبراهيم . ثم تقلب في السورة صفحات مضيئة من كتاب الكون الكبير : في الماء المنهمر من السماء ، والثمر النابت من الأرض ، والفلك الجواري في البحار ، والخيرات المخبوءة في الأنهار ، والشمس بضيائها الوهاج ، والقمر بنوره الفضي ، وفي كل صفحة من تلك الصفحات نرى أبا الأنبياء إبراهيم قارئا يتدبّر ، خاشعا يتبتّل ، كأن دعاءه الضارع يتكرر كلما لهج لسان بحمد اللّه ! وهكذا رسمت لوحات الكون الجميل في إطار من قلبه المنيب . ويريد اللّه في هذه السورة أن يمد ظلال « خليله » على هذه اللوحات مدا ،
هامش
( 1 ) وذلك في قوله تعالى :وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا : أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍالآيات ، وانظر في الطبري المراد بقوله : ( وذكرهم بأيام اللّه ) 13 / 122 . ( 2 ) قارن بقول الزمخشري في تأويل الآية :( إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ )تسليم لقولهم ، وأنهم بشر مثلهم ، يعنون : أنهم مثلهم في البشرية وحدها . فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم ، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعا منهم ، واقتصروا على قولهم :( وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ )بالنبوة لأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لاختصاصهم بها لخصائص فيهم قد استأثروا بها على أبناء جنسهم » الكشاف 2 / 296 .