تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
1 - طول أكثر سوره وبعض آياته وإطنابها وأسلوبها التشريعي الهادئ . 2 - تفصيل البراهين والأدلة على الحقائق الدينية . وهذه الخصائص الموضوعية والأسلوبية ، سواء أكانت قطعية أم أغلبية ، تصور الخطى الحكيمة المتدرجة التي كان يخطوها الإسلام في تشريعه : فخطاب أهل المدينة لا يمكن أن يكون مماثلا لخطاب أهل مكة ، لأن البيئة الجديدة في المدينة أصبحت تستدعي التفصيل في التشريع وفي بناء المجتمع الجديد . فكان لا بد أن يطنب القرآن بعد الإيجاز ، ويفصّل بعد الإجمال ، ويراعي حال المخاطبين في كل آياته وسوره . كان في مكة قوم طغاة معاندون ، يضطهدون رسول اللّه والمؤمنين ، فناسب أن ينزل على الرسول في مكة مثل قوله تعالى :
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ
« 1 » ، وقوله تعالى :
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
« 2 » ، وقوله تعالى :
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ
. لقالوا
إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
« 3 » . وهكذا كثر في مكّة نزول الآيات التي تقرع المشركين ، وتشتدّ في تسفيه أحلامهم ، وتسلي الرسول والمؤمنين وتعلمهم السماحة والصفح الجميل . أما المدينة فكان فيها بعد الهجرة ثلاثة أصناف من الناس : المؤمنون من مهاجرين وأنصار ، ثم المنافقون ، ثم اليهود . فأما اليهود فجادلهم القرآن ودعاهم إلى كلمة سواء ، وأما المنافقون ففضحهم وكشف مساوئهم ، وأما المؤمنون فشجعهم - من ناحية - على المضي في الصراط المستقيم ، وشرع لهم - من ناحية ثانية - ما يتعلق بالسلم والحرب ، وبحياة الفرد والمجموع ، وبالسياسة والاقتصاد . هذه الزكاة مثلا لا معنى لفرضها في مكة والقوم فقراء مضطهدون . وتلك صلاة الخوف التي لا تكون إلا في الحرب لا يمكن أن تشرع في مكة ، لأن المؤمنين لم يؤذن لهم بالقتال إلا
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 33 . ( 2 ) سورة الأنعام 34 . ( 3 ) سورة الحجر 14 - 15 .